1. ❖۩عيــ مبارك ــد۩وكل عام وانتم بخير❖

سلسلة من أهم علماء اللغة العربية

الموضوع في 'قسم اللغـة العربيـة' بواسطة أبـوســـميه, بتاريخ ‏12 نوفمبر 2013.

الذين قاموا بمشاهدة هذا الموضوع

  1. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    [​IMG]



    سلسلة من أهم علماء اللغة العربية


    ابن جِنّي

    نسبه وموطنه
    هو أبو الفتح، عثمان بن جِنّي الموصلي النحوي اللغوي، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة.
    ولم تذكر المصادر التاريخية وكتب التراجم نسبًا له بعد جني؛ إذ إن أباه (جني) كان عبدًا روميًّا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولم يُعرف عنه شيء قبل مجيئه الموصل، وإلى هذا أشار ابن جني نفسه بقوله في جملة أبيات:
    فإن أصبح بلا نسب *** فعلمي في الورى نسبي
    عـلى أني أءول إلى *** قرومٍ سـادة نجـب
    قيـاصرة إذا نطقوا *** أرَمّ الدهـر ذو الخطب
    أولاك دعا النبـي لهم *** كفى شرفاً دعاء نبي
    وكانت ولادة ابن جني بالموصل، وفيها قضى طفولته وتلقى دروسه الأولى، وذكرت المصادر التي ترجمت له أنه ولد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، فلم تحدد سنة مولده غير ما جاء بلفظ. وقيل: مولده سنة ثلاث وثلاثمائة. وإذا كانت أغلب المصادر التاريخية على أنه توفي -كما سيأتي- سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان آنذاك في السبعين من عمره -على قول ابن قاضي شهبة في طبقات النحاة، والذهبي في تاريخه وفي العبر- فإن ولادته تكون في سنة اثنتين وعشرين أو إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة.
    وقد أقام ابن جني بعد الموصل ببغداد، وظل يدرس بها العلم إلى أن توفي، وكان له من الولد: علي وعالٍ وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء، قد خرجهم والدهم وحسن خطوطهم، فهم معدودون في الصحيحي الضبط وحسني الخط، بحسب تعبير ياقوت.

    شيوخه وتلاميذه
    ذكر ياقوت في معجمه أن ابن جني صحب أبا علي الفارسي أربعين سنة، وكان السبب في صحبته له أن أبا علي اجتاز بالموصل فمر بالجامع وابن جني في حلقةٍ يُقرئ النحو وهو شاب (قيل إن عمره كان سبع عشرة سنة)، فسأله أبو علي الفارسي عن مسألةٍ في التصريف فقصر فيها ابن جني، فقال له أبو علي: زببت وأنت حِصرِم، فسأل عنه فقيل له: هذا أبو عليٍ الفارسي، فلزمه من يومئذٍ وسافر معه وسكن بغداد، واعتنى بالتصريف، قال ياقوت: "فما أحد أعلم منه به ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه".
    ولما مات أبو علي الفارسي تصدر أبو الفتح ابن جني في مجلسه ببغداد -وكان قد صنف في حياته- وأقرأ بها الأدب، وقد أخذ عنه الثمانيني، وعبد السلام البصري، وأبو الحسن السمسمي، وقام أيضًا بالتدريس لأبناء أخي الحاكم البويهي.
    هذا، وقد كان لابن جني علاقة خاصة بأبي الطيب المتنبي، فقد صحبه دهراً طويلاً، وقرأ عليه ديوانه ثم شرحه بعد ذلك ونبه على معانيه وإعرابه، قال ابن خلكان: "ورأيت في شرحه قال: سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله:
    بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا *** فقال: كيف أثبت الألف في "تصبرا" مع وجود لم الجازمة، وكان من حقه أن يقول "لم تصبر"؟ فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح ها هنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل "لم تصبرن"، ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفًا، قال الأعشى:
    ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا *** . وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلاً". فكان المتنبي يحترم ابن جني كثيرًا ويجله ويقدره، وكان يقول عنه: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس"، ولتمكّن ابن جني من شعر أبي الطيب قال عنه أبو الطيب: "ابن جني أعرف بشعري".
    ويبدو أنه كانت لابن جني رحلات إلى بلاد كثيرة في طلب العلم ومشافهة العلماء والشيوخ، والدليل على ذلك تلك الإجازة التي ذكرها ياقوت في ترجمته في معجمه، والتي جاء فيها: "... فليرو -أدام الله عزه- ذلك عني أجمع إذا أصبح عنده وأنس بتثقيفه وتسديده، وما صح عنده -أيده الله- من جميع رواياتي مما سمعته من شيوخي -رحمهم الله- وقرأته عليهم بالعراق والموصل والشام، وغير هذه البلاد التي أتيتها وأقمت بها مباركًا له فيه منفوعًا به بإذن الله...".

    ابن جني.. النحوي الصرفي
    كان ابن جني -كما ذكرنا- من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، إلا أن علمه بالصرف كان أقوى وأكمل من علمه بالنحو، بل لم يكن في شيءٍ من علومه أكمل منه في التصريف، ولم يتكلم أحد -كما قال ياقوت- في التصريف أدق كلامًا منه.
    وكان السبب في ذلك تلك القصة التي أوردناها سابقا، والتي قال له فيها شيخه أبي علي الفارسي حين سأله عن مسألة في التصريف فقصر فيها ولم يستطع الإجابة عنها: "زببت وأنت حِصرِم"، فمن يومئذ -وكان حينها في مقتبل شبابه- لزم نفسه شيخه هذا مدة أربعين سنة، وقد اعتنى بالتصريف أحسن ما يكون الاعتناء، حتى إنه لما مات شيخه أبي علي تصدر هو (ابن جني) مكانه ببغداد.
    وأسوة بأستاذه فقد كان ابن جني بصريا، يجري في كتبه ومباحثه على أصول المدرسة البصرية، ولا يألو جهدا في الدفاع عنها، على أنه كان يأخذ العلم أيا كان مصدره، وبغض النظر عن مذهب أهله، ولهذا نجده -كما يقول الدكتور رحاب خضر- كثير النقل عن ثعلب والكسائي وأمثالهما، وهو حين يذكرهما في كتبه يثني عليهما، فيقول مثلا: "باب في قلب لفظ إلى لفظ بالصنعة والتلطف لا بالإقدام والتعجرف"، وكان هذا الرجل كبيرًا في السداد والثقة عند أصحابنا"، يعني الكسائي.
    وقد يأخذ برأي البغداديين، والمدرسة البغدادية وسط بين المدرستين البصرية والكوفية، يقول في الخصائص: "ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة -مع مجيئها بها للضرورة الداعية إليها- أنهم أكدوا فقالوا: أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون.."، ويقول الرضيّ في شرح الكافية: "وأما أكتع وأخواته البصريون -على ما حكى الأندلسي عنهم- جعلوا النهاية أبصع ومتصرفاته، والبغدادية جعلوا النهاية أبتع وأخواته...".
    وإن من بعض آرائه النحوية -كما يقول الدكتور رحاب خضر- تجويزه إظهار متعلق الظرف الواقع خبرًا في الكون العام، نحو "زيد عندك"، قال ابن يعيش: "وقد صرح ابن جني بجواز إظهاره".
    وهو يُجيز أيضًا أن يقال: مررت بزيد وعمرًا، بعطف عمرًا على محل زيد المجرور بالحرف، وهذا لا يُجيزه النحويون؛ لأن شرط العطف على المحل عندهم ظهور الإعراب المحلي في فصيح الكلام.

    ابن جني.. الأديب الشاعر
    لم يكن ابن جني إمامًا في النحو والصرف فقط، ولم يكن من العلماء الذين يقتصرون على مجالس العلم والتعليم، أو حتى التأليف، إنما كان ابن جني كمن يريد أن يملك نواصي اللغة، فهو إلى جانب ما سبق يعد من أئمة الأدب، جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر، وهو الأمر الذي جعل الثعالبي ينعته في يتيمة الدهر بقوله: "إليه انتهت الرياسة في الأدب"، وقال الباخرزي في دمية القصر موضحًا: "ليس لأحدٍ من أئمة الأدب في فتح المقفلات، وشرح المشكلات ما له؛ فقد وقع عليها من ثمرات الأعراب، ولا سيّما في علم الإعراب".
    وكدليل مادي على ذلك، فقد أثبت ياقوت في معجمه عن خط أبي الفتح بن جني خطبة نكاحٍ من إنشائه يقول فيها:
    "الحمد لله فاطر السماء والأرض، ومالك الإبرام والنقض، ذي العزة والعلاء، والعظمة والكبرياء، مبتدع الخلق على غير مثالٍ، والمشهود بحقيقته في كل حالٍ، الذي ملأت حكمته القلوب نورًا، فاستودع علم الأشياء كتابًا مسطورًا، وأشرق في غياهب الشبه خصائص نعوته، واغترقت أرجاء الفكر بسطببة ملكوته.
    أحمده حمد معترف بجزيل نعمه وأحاظيه، ملتبسًا بسني قسمه وأعاطيه، وأؤمن به في السر والعلن، وأستدفع بقدرته ملمات الزمن، وأستعينه على نوازل الأمور، وأدرئه في نحر كل محذور، وأشهد شهادةً تخضع لعلوها السموات وما أظلت، وتعجز عن حملها الأرضون وما أقلت، أنه مالك يوم البعث والمعاد، والقائم على كل نفسٍ بالمرصاد، وأن لا معبود سواه، ولا إله إلا هو، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم -وبحل وكرم- عبده المنتخب، وحجته على العجم والعرب، ابتعثه بالحق إلى أوليائه ضياءً لامعًا، وعلى المراق من أعدائه شهابًا ساطعًا، فابتذل في ذات الله نفسه وجهدها، وانتحى مناهج الرشد وقصدها، مستسهلاً ما يراه الأنام صعبًا، ومستخصبًا ما يرعونه بينهم جدبًا، يغامس أهل الكفر والنفاق، ويمارس البغاة وأولى الشقاق، بقلبٍ غير مذهولٍ، وعزمٍ غير مفلول يستنجز الله صادق وعده، ويسعى في خلود الحق من بعده، إلى أن وطد بوانى الدين وأرساها، وشاد شرف الإسلام وأسماها، فصرم مدته التي أوتيها في طاعة الله موفقًا حميدًا، ثم انكفأ إلى خالقه مطمئنا به فقيدًا، صلى الله عليه وسلم ما ومض في الظلام برق، أو نبض في الأنام عرق، وعلى الخيرة المصطفين من آله، والمقتدين بشرف فعاله.
    وإن مما أفرط الله تعالى به سابق حكمه، وأجرى بكونه قلم علمه، ليضم بوقوعه متباين الشمل، ويزم به شارد الفرع إلى الأصل، أن فلان ابن فلان وهو -كما يعلم من حضر من ذوي الستر وصدق المختبر- مشجوح الخليقة، مأمون الطريقة، متمسك بعصام الدين، آخذ بسنة المسلمين، خطب للأمر المحموم، والقدر المحتوم، من فلان بن فلان الظاهر العدالة والإنصاف، أهل البر وحسن الكفالة والكفاف، عقيلته فلانة بنت فلانٍ خيرة نسائها وصفوة آبائها في زكاء منصبها وطيب مركبها، وقد بذل لها من الصداق كذا وكذا، فليشهد على ذلك أهل مجلسنا، وكفى بالله شهيدًا، ثم يقرهما ثم يقال: لاءم الله على التقوى كلمتيكما، وأدام بالحسنى بينكما، وخار لكما فيما قضى، ولا أبتركما صالح ما كسا، وهو حسبنا وكفى".اهـ
    والخطبة تنبئ بنفسها على ما فيها من جزالة اللفظ وبلاغة الأسلوب وجماله.
    وإضافة إلى ذلك فقد كان لابن جني ملكة الشاعر وحسه، حتى إنه ليقرض الشعر وينظمه بما يعبر عن حسن تأتِّيهِ في الصنعة على طريقة شعراء دهره، يقول الباخرزي في دمية القصر: "... فوربيّ، إنّه كشف الغطاء عن شعر المتنبّي، وما كنت أعلم به أنّه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك المتنبّي، وما كنت أعلم به أنّه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض، حتّى قرأت له مرثيّته في المتنبّي وأوَّلها،
    غاض القريض وأودت نضرة الأدب *** وصوّحت بعدري دوحة الكتب".
    ومن هذه المرثية أيضًا:
    سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه *** لما تخطّفت بالخطّيّـة السـلب
    ما زلت تصطحب الجلّى إذا نزلت *** قلبًا جميعًا وعزمًا غير منشعب
    وقد حلبت لعمر الدّهر أشطره *** تمطـو بهمّة لا وان ونصب
    وقد قال الثعالبي: "... وكان الشعر أقل خلاله لعظم قدره، وارتفاع حاله". ومما أنتجته قريحته أيضًا قوله في الغزل:
    غزال غير وحشي *** حكى الوحشي مقلته
    رآه الورد يجني الور *** د فاستكساه حلته
    وشم بأنفه الريحا *** ن فاستهداه زهرته
    وذاقت ريقه الصهبا *** ء فاختلسته نكهته

    الخصائص.. وأصول النحو
    ما إن يذكر ابن جني حتى يشرد الذهن عفو الخاطر إلى كتابه الشهير "الخصائص"، وبالمثل إذا كان الحديث عن "الخصائص" فإنه يذهب إلى مؤلفه ابن جني، والخصائص هذا هو أجلّ تآليف ابن جني التي أبر بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين، والتي عناها في بائيته بقوله:
    تناقلها الرواة لها *** على الأجفان من حدب
    فيرتع في أزاهرها*** ملوك العجم والعرب
    فمن مغن إلى مدنٍ *** إلى مثنٍ إلى طرب

    وهو كتاب في أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، احتذى ابن جني في مباحثه النحوية منهج الحنفية في أصول الفقه، وقد بناه على اثنين وستين ومائة بابا، تبدأ بباب القول على الفصل بين الكلام والقول، وتنتهي بباب في المستحيل وصحة قياس الفروع على فساد الأصول، وقد أهداه لبهاء الدولة البويهي، الذي ولي السلطنة من سنة تسع وسبعين وثلاثمائة إلى ثلاث وأربعمائة من الهجرة، وذلك بعد وفاة أستاذه أبي علي الفارسي (ت 377هـ).
    والكتاب وإن كان يبحث في خصائص اللغة العربية، وتهتم أغلب مباحثه بما يخص فلسفة تلك اللغة ومشكلاتها، إلا إنه اشتمل أيضا على أبواب من شأنها أن تخرج عن هذا النطاق، وذلك كبحثه في الفرق بين الكلام والقول، وبحثه في أصل اللغة: إلهام هي أم اصطلاح؟ وغيرها، وفي ذلك يقول ابن جني: "... وليكون هذا الكتاب ذاهبًا في جهات النظر؛ إذ ليس غرضنا فيه الرفع والنصب والجرّ والجزم؛ لأن هذا أمر فُرغ منه في أكثر الكتب المصنَّفة فيه، وإنما هذا الكتاب مبنيّ على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال الأوضاع والمبادئ، وكيف سرت أحكامها في الأحناء والحواشي...".
    ومما يُعد من النوادر في كتابه هذا مثل هذه الأبواب: الباب الخامس والأربعون بعد المائة في القول على فوائت الكتاب لسيبويه، الباب الحادي والخمسين بعد المائة فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية، الباب الثامن والخمسين بعد المائة في سقطات العلماء.
    وقد طبع الخصائص لأول مرة في مصر سنة (1331هـ/ 1913م) (جزء منه)، ثم طبع كاملاً بتحقيق الأستاذ محمد على النجار في ثلاثة أجزاء ما بين (1952 و1955م)، مع مقدمة جليلة، وضح فيها أثر الكتاب في أعمال النحويين من بعده، وقد عقد فصلاً نبه فيه إلى كثرة النصوص التي نقلها عنه ابن سيده بلا عزو، حتى إنه استعار عبارته ذاتها في وصف حاله فقال: (فوجدت الدواعي والخوالج قوية التجاذب... إلخ).
    وفي عام سبعة وتسعين وتسعمائة وألف من الميلاد أصدر معهد المخطوطات العربية في القاهرة (الفهارس المفصلة لابن جني)، وكانت الحلقة الأولى ضمن سلسلة (كشافات تراثية) صنعه د. عبد الفتاح السيد سليم، ويضم ستة عشر فهرسًا، منها: إحدى وتسعين مسألة في أصول اللغة، وخمس وخمسين مسألة في العلل النحوية، وإحدى وثمانين مسألة في اللغات، وأيضا فهرس الآيات المحتج بها في الخصائص وهي ست وعشرين وثلاثمائة أية، وكذلك فهرس الكتب المذكورة في الكتاب، وهي إحدى وثلاثين كتابًا، وفيه أيضا ما يختص بنقوله عن العلماء في الكتاب، وكان ذلك في ثمان وتسعين وثلاثمائة مسألة، الغالب منها عن شيخه أبي علي الفارسي، ثم عن سيبويه والأخفش والأصمعي والمازني وأبي زيد والفراء والمبرد والخليل وثعلب والكسائي، وغيرهم.

    مؤلفاته
    في معجمه أورد ياقوت إجازة كتبها ابن جني لأحد تلاميذه، وهو الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر، وذلك في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، أي قبل وفاته بنحو ثماني سنوات، أورد فيها معظم تواليفه إن لم يكن كلها، وقد جاء في أولها: "قد أجزت للشيخ أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر -أدام الله عزه- أن يروي عني مصنفاتي وكتبي مما صححه وضبطه عليه أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري -أيد الله عزه- عنده منها..."، ثم ذكر من الكتب التالية:
    الخصائص - التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله السكري - سر الصناعة - تفسير تصريف المازني - شرح المقصور والممدود لابن السكيت - تعاقب العربية - تفسير ديوان المتنبي الكبير، ويسمى الفسْر - تفسير معاني ديوان المتنبي، وهو شرح ديوان المتنبي الصغير - اللمع في العربية - مختصر التصريف المشهور بالتصريف الملوكي - مختصر العروض والقوافي - الألفاظ المهموزة - المتقضب - تفسير المذكر والمؤنث ليعقوب (ذكر أنه لم يتمه)... إلخ.
    هذا وغيره مما لم نرد حصره، وقد ذكر ياقوت أن له كتبًا أخرى لم تتضمنه هذه الإجازة منها: كتاب المحتسب في شرح الشواذ، وكتاب تفسير أرجوزة أبي نواس، وكتاب تفسير العلويات وهي أربع قصائد للشريف الرضي كل واحدةٍ في مجلدٍ، وهي قصيدة رثى بها أبا طاهر إبراهيم ابن نصر الدولة أولها:
    ألق الرماح ربيعة بن نزار *** أودى الردى بقريعك المغوار
    ومنها قصيدته التي رثى بها الصاحب بن عبادٍ، وأولها:
    أكذا المنون تقطر الأبطالا *** أكذا الزان يضعضع الأجيالا
    وقصيدته التي رثى بها الصابئ أولها:
    أعلمت من حملوا على الأعواد *** أرأيت كيف خبا زناد النادي
    وكتاب البشرى والظفر صنعه لعضد الدولة ومقداره خمسون ورقةً في تفسير بيتٍ من شعر عضد الدولة.
    أهلاً وسهلاً بذي البشرى ونوبتها *** وباشمال سرايانا على الظفر
    وكتاب رسالةٍ في مد الأصوات ومقادير المدات كتبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري مقدارها ست عشرة ورقةً بخط ولده عالٍ: كتاب المذكر والمؤنث، كتاب المنتصف، كتاب مقدسات أبواب التصريف، وكتاب النقض على ابن وكيعٍ في شعر المتنبي وتخطئته، كتاب المغرب في شرح القوافي، كتاب الفصل بين الكلام الخاص والكلام العام، كتاب الوقف والابتداء كتاب الفرق، كتاب المعاني المجردة، كتاب الفائق، كتاب الخطيب، كتاب الأراجيز، كتاب ذي القد في النحو، وكتاب شرح الفصيح، وكتاب شرح الكافي في القوافي وجد على ظهر نسخةٍ ذكر ناسخها أنه وجده بخط أبي الفتح عثمان بن جني -رحمه الله- على ظهر نسخة كتاب المحتسب في علل شواذ القراءات.

    وفاته
    في بغداد، وفي خلافة القادر، وتحديدًا يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة (392هـ) رحل ابن جني عن دنيا الناس، تاركًا مؤلفاته وذخائره العلمية تتحدث عنه، وتحييه بينهم من جديد.

    يتبع ان شاء الله تعالى
     

  2. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    ابن سِيدَه

    نسبه وموطنه
    هو علي بن إسماعيل، أبو الحسن، اللغوي الأندلسيّ المُرْسيّ (نسبة إلى مرسية، وهي مدينة في شرق الأندلس)، المعروف بابن سيده، إمام اللغة وآدابها، وأحد من يضرب بذكائه المثل.
    وقد اختلف المؤرخون في اسم أبيه، فقال ابن بشكوال في (الصلة) أنه إسماعيل، وقال الفتح بن خاقان في (مطمح الأنفس) أنه أحمد، ومثل ذلك قال الحُمَيْدي، كما ذكر ياقوت في (معجم الأدباء)، وقد اعتمدنا (إسماعيل) على الأشهر، مع أنه قد غلبت كنيته (ابن سِيدَه) على اسم أبيه، وإن كانت المصادر وكتب التراجم لم تذكر سبب تكنيته تلك.
    ولد ابن سِيدَه في مرسية، ونسب إليها كما أشرنا، وهي من أعمال تدمير، في شرق الأندلس، وكان ذلك في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة من الهجرة.

    نشأته وصفاته
    نشأ ابن سِيدَه في بيت علم ولغة، حيث كان أبوه من النحاة من أهل المعرفة والذكاء، وقد تعهد ابنه هذا بالرعاية والتعليم، وصقله صغيرًا وشبّعه بحب اللغة وعلومها، وإن العجب ليس في أن أبيه هذا كان ضريرًا، بل العجب كل العجب من أن الابن أيضًا (ابن سيده) كان ضريرًا مثل أبيه، فهو أعمى ابن أعمى، ولكنه ورغم عمى بصره فقد كان نيّر القلب كأبيه، قد رزقه الله عوضًا عن فقدان بصره حافظة قوية وذهنًا متوقدًا، وذكاءً حادًّا.
    وقد شهد بذلك أبو عمر الطلمنكي يوم أن قال: دخلت مرسية فسألني أهلها أن يسمعوا مني "الغريب المصنف" (هو من كتب اللغة التي تُعنى بالغريب، ومصنفه هو أبو عبيد القاسم بن سلام)، قال أبو عمر: فقلت: احضروا من يقرؤه، فجاءوا برجل أعمى يقال له ابن سيده فقرأه عليّ كله من حفظه وأنا ممسك بالأصل، فتعجبت من حفظه.

    شيوخه
    بعد وفاة والده النحوي الضرير، الذي اشتغل عليه في بداية حياته، وروى عنه، كان أن اشتغل ابن سيده بنظم الشعر مدة، وتلقى اللغة على يد شيخه صاعد بن الحسن اللغوي البغدادي، وكان من الوافدين على الأندلس، وقرأ أيضًا على أبي عمر الطلمنكي -كما أشرنا إلى ذلك- وكان لغويًّا مفسرًا محدثًا، ثم انقطع للأمير أبي الجيش مجاهد العامري صاحب دانية (شرق الأندلس)، وكان محبًّا للعلم مكرمًا لأهله، وعنده أدرك ابن سيده أمانيه وألف أعظم كتبه.
    ذكر ذلك المقّري التلمساني في (نفح الطيب) فقال: وكان -ابن سِيدَه- منقطعًا إلى الموفق صاحب دانية، وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرده للعلم وفراغه، وتفرد بتلك الإراغة، ولا سيما كتابه المسمى بالمحكم، فإنه أبدع كتاب وأحكم".
    ثم قال: ولما مات الموفق رائش جناحه، ومثبت غرره وأوضاحه، خاف من ابنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهًا بعض من كان حوله؛ إذ أهل الطلب كحيات مساورة، ففر إلى بعض الأعمال المجاورة، وكتب إليه منها مستعطفًا:

    ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى *** سبيل فإنّ الأمن في ذلك واليمنا
    فتنضى همومٌ طلّحته خطوبه *** ولا غاربًا يبقين منه ولا متنا
    غريبٌ نأى أهلوه عنه وشفّه *** هواهم فأمسى لا يقرّ ولا يهنا
    فيا ملك الأملاك إني محل*** عن الورد لا عنه أذاد ولا أدنى
    تحققت مكروهًا فأقبلت شاكي *** لعمري أمأذونٌ لعبدك أن يعنى
    وإن تتأكد في دمي لك نيةٌ *** فإني سيف لا أحبّ له جفنا
    إذا ما غدا من حرّ سيفك بارد *** فقدمًا غدا من برد نعماكم سخنا
    وهل هي إلاّ ساعةٌ ثمّ بعده *** ستقرع ما عمّرت من ندمٍ سنّا.
    ومالي من دهري حياةٌ ألذّه *** فتجعلها نعمى عليّ وتمتنّا
    إذا ميتةٌ أرضتك عنّا فهاته *** حبيبٌ إلينا ما رضيت به عنّا

    وهي طويلة، وقد جاء أنه وقع عنه الرضا مع وصولها إليه فرجع إليها.

    مؤلفاته
    بذاكرته اللاقطة التي منّ الله بها عليه استطاع ابن سيده أن يُلمّ بعلوم اللغة العربية وينبغ في آدابها ومفرداتها، فكان -كما قال الحميدي- إمامًا في العربية حافظ للغة، وله في الشعر حظ وتصرف، وقد وصفه القاضي الجياني وكان معاصرًا له (ت 486هـ) فقال: "لم يكن في زمنه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بعلومها، وكان حافظًا".
    هذا ويبدو أن ابن سيده لم يقتصر في تحصيله للعلوم وتأليفه فيها على علوم اللغة العربية وحدها، شأنه في ذلك شأن أغلب علماء المسلمين المتقدمين؛ فكان أيضًا متوفرًا على علوم الحكمة والمنطق، تلك التي كانت ذائعة الصيت في ذلك الوقت، وقد قال عنه القاضي الجياني في ذلك: "كان مع إتقانه لعلم الأدب والعربية متوفرًا على علوم الحكمة، وألف فيها تأليفات كثيرة"، وقد وصفه صاعد اللغوي بأنه من حُذّاق المنطق، وقال فيه ابن قاضي شهبة في طبقاته: "ومن وقف على خطبة كتاب المُحْكَم علم أنه من أرباب العلوم العقلية، وكتب خطبة كتاب في اللغة إنما تصلح أن تكون خطبة لكتاب الشفاء لابن سينا".
    وأما ما أُثر عنه من مصنفات فكان منها: كتاب "المحكم والمحيط الأعظم"، وكتاب "المخصص" وسنعرج عليهما بعد قليل؛ إذ هما اللذان طيّرا شهرة ابن سيده وأنزلاه بين صانعي المعاجم العربية منزلة سامقة رفيعة، باعتباره واحدا من صناعها العظام.
    وله أيضًا كتاب "شرح إصلاح المنطق"، وكتاب "الأنيق في شرح الحماسة"، وكتاب "شرح ما أشكل من شعر المتنبي"، وكتاب "العلام في اللغة على الأجناس" وقد قال عنه ياقوت الحموي: "في غاية الإيعاب، نحو مائة سفر، بدأ بالفلك وختم بالذرة"، وكتاب "العالم والمتعلم" على المسألة والجواب، وكتاب "الوافي في علم أحكام القوافي"، وكتاب "شاذ اللغة"، ويقع في خمس مجلدات، وكتاب "العويص في شرح إصلاح المنطق"، وكتاب "شرح كتاب الأخفش"، وغير ذلك.
    وإنه ورغم كثرة مؤلفاته تلك وأهمية مواضيعها، فإنه لم يصلنا منها إلا ثلاثة منها فقط هي: المشكل من شعر المتنبي، والمحكم والمحيط الأعظم، والمخصص، أما عن باقي تواليفه فهو إما أنه فقد مع ما فقد من مخطوطات التراث، أو أنه ما زال في غياهب دور الكتب والمحفوظات، ولم تمتد إليه بعد يد البحث وأيدي الباحثين.
    المحكم والمحيط الأعظم.. مصنع اللغة
    في دولة علي بن مجاهد ألف ابن سيده كتاب "المحكم والمحيط الأعظم" على نحو ترتيب الخليل في معجمه "العين"، وقد زاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين، بحسب تعبير القونجي.
    "وقد التزم ابن سيده في ترتيب مواد "المحكم" الترتيب الذي اخترعه الخليل بن أحمد في معجمه العين، وكانت طريقته تقوم على ترتيب الحروف تبعا لمخارجها مبتعدا بالأعمق في الحلق، ومنتهيا بما يخرج من الشفتين، فاستقام له الترتيب التالي: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ذ ث ر ل ن ف ب م و ي ا ء، وسمى كل حرف منها كتابا، مع تقسيم كل كتاب إلى أبواب حسب أبنية الألفاظ من حيث كونها ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية، والأخذ بمبدأ التقاليب، فمثلاً حرف العين الذي استهل به معجمه يمكن أن يتغير موضعه في البناء الثنائي مرتين، فيأتي أول البناء الثنائي أو ثانيه، وفي البناء الثلاثي يمكن أن يكون العين في أوله أو ثانيه أو ثالثه، وفي البناء الرباعي يكون أربعا، وفي الخماسي يكون خمسا، فإذا كان الحرف الثاني مع العين في البناء الثنائي باء، فإنه لا يمكن أن يأتي منهما إلا صورتان هما عب وبع، فإذا كانت العين في البناء الثلاثي ومعها حرفان كالباء والدال، أمكن أن يأتي منها ست صور هي: عبد بعد بدع عدب، دعب، دبع، وترتفع هذه الصور في البناء الرباعي إلى أربع وعشرين صورة، وفي الخماسي إلى عشرين ومائة صورة.
    وقد أراد ابن سِيده أن يجمع في كتابه ما تشتت من المواد اللغوية في الكتب والرسائل، وتصحيح ما ورد فيها من أخطاء، وربط اللغة بالقرآن والحديث، مع العناية بالتنظيم والاختصار في ترتيب المواد، كتقديم المجرد على المزيد والمفرد على الجمع وتحاشي التكرار، وبذلك يكون ابن سيده قد خطا بمناهج تأليف المعاجم خطوة مفيدة إلى الأمام، غير أن طريقة هذه المعاجم في ترتيب موادها كانت تلقى صعوبة في الكشف والاستخدام، الأمر الذي أدى إلى ظهور مدارس أخرى في المعاجم لتيسير البحث في الكشف عن المواد اللغوية، حتى استقرت إلى ما هو متبع الآن في المعاجم الحديثة مثل المعجم الوسيط".
    وفي مادة "المحكم" وما جاء فيه فقد طعن فيه السهيلي في "الروض الأنف" عند الكلام على نقض الصحيفة فقال: وَمَا زَالَ ابْنُ سِيدَهْ يَعْثِرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ -يعني المحكم- وَغَيْرِهِ عَثَرَاتٌ يَدْمِي مِنْهَا الْأَظَلّ، وَيَدْحَضُ دَحَضَاتٍ تُخْرِجُهُ إلى سَبِيلِ مَنْ ضَلّ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَكَرَ بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ فَقَالَ: هِيَ مِنْ أَعْلَامِ خُرُوجِ الدّجّالِ، وَأَنّ مَاءَهَا يَيْبَسُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَالْحَدِيثُ إنّمَا جَاءَ فِي غَيْرِ زُغَرٍ، وَإِنّمَا ذَكَرْت بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ فِي حَدِيثِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَأَنّهُمْ يَشْرَبُونَ مَاءَهَا، وَقَالَ فِي الْجِمَارِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ: إنّمَا هِيَ الّتِي تُرْمَى بِعَرَفَةَ؟! وَهَذِهِ هَفْوَةٌ لَا تُقَالُ وَعَثْرَةُ لَا لَعًا لَهَا، وَكَمْ لَهُ مِنْ هَذَا إذَا تَكَلّمَ فِي النّسَبِ وَغَيْرِه".
    وقد رد عليه ابن حجر في "ميزان الاعتدال" فقال بعد ما أورد جزءا من النص السابق له: ".. والغالط في هذا يعذر لكونه لم يكن فقيها ولم يحج، ولا يلزم من ذلك أن يكون غلط في اللغة التي هي فنه الذي يحقق به من هذا القبيل".
    وفي وصف خبير فقد قال ابن منظور عن "المحكم": "ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة للأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده... وما عداهما ثنيات الطريق".
    وقد لخص "المحكم" محمد بن أبي الحسن، صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس، وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها، فكانا توءمي رحم وسليلي أبوة، بحسب تعبير القونجي.

    المخصص.. أثمن كنوز العربية
    يعتبر كتاب "المخصص" لابن سيده أضخم المعاجم العربية التي تعنى بجمع ألفاظ اللغة وتكوينها حسب معانيها لا تبعًا لحروفها الهجائية، فلم يكن الغرض من تأليفها جمع اللغة واستيعاب مفرداتها شأن المعاجم الأخرى، وإنما كان الهدف هو تصنيف الألفاظ داخل مجموعات وفق معانيها المتشابهة، بحيث تنضوي تحت موضوع واحد.
    وقد قسم ابن سيده كتابه إلى أبواب كبيرة سماها كتبًا تتناول موضوعًا محددًا، ورتب هذه الكتب ترتيبًا منطقيًّا، فبدأ بالإنسان ثم الحيوان ثم الطبيعة فالنبات، وأعطى كل كتاب عنوانًا خاصًّا به مثل: خلق الإنسان والنساء واللباس والطعام والأمراض والسلاح والخيل والإبل والغنم والوحوش والحشرات والطير والسماء والفلك.
    ثم قسم كل كتاب بدوره إلى أبواب صغيرة حسبما يقتضيه المقام إمعانًا في الدقة ومبالغة في التقصي والتتبع، فيذكر في باب الحمل والولادة أسماء ما يخرج مع الولد أولاً، ثم يذكر الرضاع والفطام والغذاء وسائر ضروب التربية، ويتحدث عن غذاء الولد وأسماء أول أولاد الرجل وآخرهم، ثم أسماء ولد الرجل في الشباب والكبر، وهكذا.
    ويلتزم ابن سيده في شرح الألفاظ ببيان الفروق بين الألفاظ والمترادفات وتفسيرها بوضوح، مع الإكثار من الشواهد، وذكر العلماء الذين استقى عنهم مادته.
    وقد طُبع المخصص في سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة في سبعة عشر جزءًا، ونشر معهد المخطوطات العربية معجم المحكم بعناية عدد من كبار المحققين".

    وفاته
    بعد رحلة علمية حافلة تُوفي ابن سِيدَه في "دانية" بالأندلس عشية يوم الأحد، لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وعمره ستون سنة أو نحوها.
    وفي قصة وفاته فقد ذكر الصفدي أن ابن سيده كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحًا سويًّا إلى وقت صلاة المغرب، فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه، فبقي على تلك الحال إلى العصر من يوم الأحد، ثم قضى نحبه رحمه الله تعالى.
     

  3. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    ابن فارس

    اسمه ومولده
    هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، أبو الحسين الرَّازيُّ القزويني، المعروف بالرازي المالكي اللغوي، صاحب (المجمل) في اللغة[1]. ولد في قزوين[2]، وكان مُربَّاه بهمذان[3]، وأكثر مقامه بالرَّيِّ[4].

    ملامح شخصيته وأخلاقه
    كان ابن فارس كريمًا جوادًا لا يُبقِي شيئًا، وربما سُئل فيهب ثياب جسمه وفرش بيته. قال الرَّافعي: "وله بقزوين في الجامع صندوق فيها كتب من وَقْفِه، سنة إحدى وستين وثلاثمائة"[5].
    وكان أديبًا بارعًا، وشاعرًا مجيدًا؛ من شعره:
    قيل لي اختر فقلت ذا هيفٍ *** بي من وصالي وصده برح
    بدرٌ مليح القوام معتـدلٌ *** قفاه وجهٌ ووجهـه ربـح[6]
    وقال يخاطب طلاب العلم:
    إذا كان يؤذيك حر الصيف *** وكرب الخريف وبرد الشتا
    ويُلهِيك حسن زمان الربيع *** فأخذك العلم قل لي متـى[7]
    وكان شديد التعصب لآل العميد، فكان الصاحب إسماعيل بن عبَّاد يكرهه لذلك؛ فألَّف كتاب (الحجر) وأهداه إلى الصاحب، فقال: ردوا الحجر من حيث جاء. ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه، وأمر له بصلة وأجازه قليلاً[8].
    ثم إن الصاحب في هذه الآونة كان قد زال ما بينه وبين ابن فارس من انحراف، واصطفاه حينئذٍ، وأخذ عنه الأدب، واعترف له بالأستاذية والفضل. وبعد أن استوطن الرَّيَّ كان أن انتقل ابن فارس من مذهب الإمام الشافعي إلى مذهب الإمام مالك في الفقه، وذلك في آخر عمره، وحين سُئل عن ذلك أجاب: "أخذتني الحميَّة لهذا الإمام المقبول على جميع الألسنة أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه؛ فإن الرَّيَّ أجمع البلاد للمقالات والاختلاف"[9].
    وإلى جانب ذلك فقد كان ابن فارس يرى نحو الكوفة؛ يقول الشيخ عبد السلام هارون: "وابن فارس يلم أيضًا بالحياة الأدبية في عصره، ولا يتزمَّت كما يتزمت كثير من اللغويين الذين ينصرفون عن إنتاج معاصريهم ولا يقيمون له وزنًا، فهو يصغي إلى نشيدهم، ويروي لكثير منهم، وينتصر للمحسن، وينتصف له من المتعصبين الجامدين، الذين يزيِّفون شعر المحدَثين ويستسقطونه"[10].

    شيوخه
    سمع بقزوين أباه فارس بن زكريا، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان، وعلي بن محمد بن مهرويه، وسليمان بن يزيد الفامي، وأحمد بن علان، وغيرهم[11].
    وكان من شيوخه أيضًا عبد الرحمن الجلاب، وأحمد بن حميد الهمذانيين، وأبو الحسن علي بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد روى عنه ابن فارس كتابَيْ أبي عبيد: غريب الحديث، ومصنف الغريب.
    وقد رحل إلى زنجان فأخذ عن أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب، وأخذ أيضًا عن أبي عبد الله أحمد بن طاهر المنجم، وسمع ببغداد من محمد بن عبد الله الدُّوري. وكان من شيوخه أيضًا أبو بكر محمد بن أحمد الأصفهاني، وعلي بن أحمد الساوي، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني[12].

    تلامذته
    من أشهر تلامذته أديب همذان المعروف ببديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات. وكان ممن تتلمذ أيضًا على ابن فارس أبو طالب بن فخر الدَّولة البويهي، والصاحب إسماعيل بن عبَّاد، وذلك حين انتقل إلى الرَّيِّ مقيمًا بها.
    كما روى عنه حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني، والقاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصميري، وأبو سهل بن زيرك، وأبو منصور بن عيسى الصوفي، وأبو منصور بن المحتسب، وأبو ذر الهروي، والقاضي أبو زرعة روح بن محمد الرازي، وأبو العباس الغضبان، والقاضي أبو عبد الله الديباجي، وعلي بن القاسم الخياط المقرئ، وقد قرأ عليه كتابه (أوجز السير لخير البشر)[13].

    مؤلفاته
    له من التصانيف: كتاب المجمل، ومتخير الألفاظ، وفقه اللغة، وغريب إعراب القرآن، وتفسير أسماء النبي ، ومقدمة نحو، ودارات العرب، وحلية الفقهاء، والفرق، ومقدمة في الفرائض، وذخائر الكلمات، وشرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان، وكتاب الحجر، وسيرة النبي ، وكتاب الليل والنهار، وكتاب العم والخال، وكتاب أصول الفقه، وكتاب أخلاق النبي ، و(الصاحبي) صنَّفه لخزانة الصاحب، و(جامع التأويل في تفسير القرآن) أربع مجلدات، وكتاب الشِّيات والحِلَى، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الحماسة المحدثة، وكتاب (مقاييس اللغة)، وهو جليل لم يصنَّف مثله، وكفاية المتعلمين في اختلاف النحويين، وغيرها[14].

    منهج ابن فارس في المجمل والمقاييس
    من بين كتب المعاجم التي وضعت في اللغة انفرد ابن فارس في معجميه (المجمل) و(المقاييس) بطريقة خاصة تنسب إليه وحده؛ يقول الشيخ عبد السلام هارون: "جرى ابن فارس على طريقة فذَّةٍ بين مؤلفي المعجم في وضع معجميه: المجمل والمقاييس؛ فهو لم يرتِّب موادهما على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد في الجمهرة، ولم يطردها على أبواب أواخر الكلمات كما ابتدع الجوهري في الصحاح، وكما فعل ابن منظور والفيروزآبادي في معجميهما، ولم يَنْسُقْها على أوائل الحروف فقط كما صنع الزمخشري في أساس البلاغة، والفيومي في المصباح المنير، ولكنه سلك طريقًا خاصًّا به، لم يفطن إليه أحد من العلماء ولا نَبَّه عليه"[15].
    وفي هذا النظام الجديد أدع الشيخ عبد السلام هارون أيضًا ليقول: "وكنت قد ظننت أنه لم يلتزم نظامًا في إيراد المواد على أوائل الحروفِ، وأنه ساقها في أبوابها هَمَلاً على غير نظام، ولكنه بتتبُّع المجمل والمقاييس ألفَيْته يلتزم النظام الدقيق التالي:
    1- فهو قد قسَّم مواد اللغة أوَّلاً إلى كُتُب، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتهي بكتاب الياء.
    2- ثم قسم كل كتاب إلى أبواب ثلاثة: أوَّلها باب الثنائي المضاعف والمطابق، وثانيها أبواب الثلاثي الأصول من المواد، وثالثها بابُ ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرفٍ أصلية.
    3- والأمر الدقيق في هذا التقسيم أن كل قسم من القسمين الأوَّلين قد التُزم فيه ترتيب خاص، هو ألا يبدأ بعد الحرفِ الأوَّل إلا بالذي يليه؛ ولذا جاء بابُ المضاعف في كتاب الهمزة، وباب الثلاثي مما أوله همزة وباء مرتبًا ترتيبًا طبيعيًّا على نسق حروفِ الهجاءِ.
    ولكن في (باب الهمزة والتاء وما يثلثهما) يتوقع القارئ أن يأتي المؤلف بالمواد على هذا الترتيب: (أتب، أتل، أتم، أتن، أته، أتو، أتى)، ولكن الباء في (أتب) لا تلي التاء بل تسبقها؛ ولذلك أخَّرها في الترتيب إلى آخر الباب، فجعلها بعد مادة (أتى).
    وفي باب التاء من المضاعف يذكر أوَّلاً (تخ) ثم (تر) إلى أن تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى التاء والباء (تب)؛ لأن أقرب ما يلي التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الخاء.
    وفي أبواب الثلاثي من التاء لا يذكر أولاً التاء والهمزة وما يثلثهما، بل يؤخر هذا إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بباب التاء والجيم وما يثلثهما، ثم باب التاء والحاء وما يثلثهما، وهكذا إلى أن ينتهي من الحروف، ثم يرجع أدراجه ويستأنف الترتيب من باب التاء والهمزة وما يثلثهما؛ وذلك لأن أقرب ما يلي التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الجيم. وتجد أيضًا أن الحرفَ الثالث يراعى فيه هذا الترتيب، ففي باب التاء والواو وما يثلثهما يبدأ بـ (توي) ثم (توب) ثم (توت) إلى آخره؛ وذلك لأن أقرب الحروفِ التي تلي الواو هو الياء.
    وفي باب الثاء من المضاعف لا يبدأ بالثَّاء والهمزة ثم بالثَّاء والباء، بل يُرْجِئ ذلك إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بالثَّاء والجيم (ثج)، ثم بالثَّاء والراء (ثر) إلى أن تنتهي الحروف، ثم يستأنف الترتيب بالثَّاء الهمزة (ثأ)، ثم بالثَّاء والبَاء (ثب).
    وفي أبواب الثلاثي من الثَّاء لا يبدأ بالثَّاء والهمزة وما يثلثهما ثم يعقِّب بالثَّاء والباء وما يثلثهما، بل يدع ذلك إلى أواخر الأبواب؛ فيبدأ بالثَّاء والجيم وما يثلثهما إلى أن تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى الأبواب التي تركها. وتجد أيضًا أن الحرف الثَّالث يراعى فيه الترتيب، ففي باب الثَّاء واللام وما يثلثهما يكون هذا الترتيب (ثلم، ثلب، ثلث، ثلج،...) إلخ.
    وفي باب الجيم من المضاعف يبدأ بالجيم والحاء (جح) إلى أن تنتهي الحروف (جو)، ثم ينسقُ بعد ذلك (جأ، جب).
    وفي أبوب الثلاثي من الجيم يبدأ بباب الجيم والحاء وما يثلثهما إلى أن تنتهي الحروف، ثم يذكر باب الجيم والهمزة وما يثلثهما، ثم باب الجيم والباء، ثم الجيم والثاء، مع مراعاة الترتيب في الحرف الثالث، ففي الجيم والنون وما يثلثهما يبدأ أوّلاً بـ (جنه) ثم (جني)، ويعود بعد ذلك إلى (جنأ، جنب، جنث) إلخ"[16].
    وبعد ذلك يقول الشيخ عبد السلام هارون: "هذا هو الترتيب الذي التزمه ابن فارس في كتابيه المجمل والمقاييس، وهو بِدْع كما ترى"[17].

    آراء العلماء فيه
    في وصف بليغ لابن فارس، قال الذهبي: "وكان رأسًا في الأدب، بصيرًا بفقه مالك، مناظرًا متكلمًا على طريقة أهل الحق، ومذهبه في النحو على طريقة الكوفيين، جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر"[18]. ويقول القاضي عياض: "وكان أديبًا شاعرًا مجيدًا في ذلك، وقد ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته في جملة شعراء أهل الجبل من كتابه"[19].
    وقد قال الصفدي والذهبي: "وكان ابن فارس بالجبل نظير ابن لنكك بالعراق، جمع إتقان العلماء الظرفاء والكُتَّاب الشعراء"[20].
    وقال سعد بن علي الزنجاجي: "كان أبو الحسين بن فارس من أئمة اللغة، محتجًّا به في جميع الجهات، غير منازع"[21].
    يقول ابن خلكان: "كان ابن فارس إمامًا في علوم شتى، وخصوصًا اللغة، فإنه أتقنها وألَّف كتاب (المجمل) فيها، جمع على اختصاره شيئًا كثيرًا"[22]. وقد أورد الذهبي قول بعضهم: "كان إذا ذكرت اللغة فهو صاحب مجملها، لا بل صاحبها المجمِّل لها"[23].
    وفي ذلك أيضًا يقول الشيخ عبد السلام هارون: "لم يكن ابن فارس من العلماء الذين ينْزَوُون على أنفسهم ويكتفون بمجالس العلم والتعليم، بل كان متصلاً بالحياة أكمل اتصال، مادًّا بسببه إلى نواحٍ شتى منها؛ فهو شاعر يقول الشعر ويرقّ فيه، حتى لَينمَّ شعره عن ظَرفه وحسن تأتِّيهِ في الصنعة على طريقة شعراء دهره"[24].

    آراء العلماء في مؤلفاته
    قال تلميذه الصاحب إسماعيل بن عبَّاد عن مؤلفاته: "شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف، وأمن فيه من التصحيف"[25]. وحين كان ياقوت يستعرض مؤلفات ابن فارس في معجمه، جاء عند (المقاييس) فقال: "وهو كتاب جليل، لم يصنَّف مثله"[26].
    وفي المقاييس نفسه يقول أيضًا الشيخ عبد السلام هارون: "على أن ابن فارس في كتابه هذا (المقاييس) قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها، وفهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق، وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحد"[27].

    وفاته
    في تاريخ وفاته كان هناك آراء خمسة، يبدأ أوَّلها بسنة ستين وثلاثمائة من الهجرة، وينتهي آخرها بسنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وهذا القول الأخير هو أصح الأقوال وأرجحها؛ وذلك أن أغلب أصحاب التراجم ذهبوا إليه، بل وهناك من حدَّده، فقال سعد بن علي الزنجاجي -ونقله عنه الذهبي، وكذا أرَّخه عبد الرحمن بن منده وغيره-: "تُوُفِّي في صفر، سنة خمس وتسعين وثلاثمائة"[28].
    بل إن ياقوت في معجمه ذكر أنه عثر على نسخة قديمة من كتاب (المجمل)، وكان في آخرها ما صورته: "قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس -رحمه الله- في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالرَّيِّ، ودفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز، يعني الجرجاني"[29].
    وعن بعض الآراء الأخرى التي أرَّخت لوفاته قبل ذلك التاريخ، قال ياقوت بعد أن عرض لاثنين منها: "وكل منهما لا اعتبار به؛ لأني وجدتُ خطَّ كفِّه على كتاب (الفصيح) تصنيفه، وقد كتبه في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة"[30].
    وقد روى أكثر من ترجم له أنه أنشد قبل وفاته بيومين:
    يا ربِّ إنَّ ذنوبي قد أحطتَ بها *** علمًا وبي وبإعلاني وإسـراري
    أنا الموحِّـد لكني المقـرُّ بهـا *** فهبْ ذنوبي لتوحيدي وإقراري[31].

     

  4. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    ابن منظور

    نسبه وموطنه
    هو محمد بن مكرّم بن علي بن أحمد، الأنصاري الرويفعي الإفريقي المصري، القاضي جمال الدين أبو الفضل، المعروف بابن منظور، الأديب الإمام اللغوي الحجة.
    يُعدّ من أحفاد الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري، عامل معاوية على طرابلس الغرب، وقد ولد بمصر -على الأرجح- يوم الاثنين، الثاني والعشرين من المحرم، سنة ثلاثين وستمائة من الهجرة.
    وهو والد القاضي قطب الدين بن المكرم، كاتب الإنشاء الشريف بمصر، الصائم الدهر، المجاور بمكة زمانًا.

    صفاته وأعماله
    كان ابن منظور -رحمه الله- صدرًا رئيسًا فاضلاً في الأدب، عالمًا في الفقه واللغة، عارفًا بالنحو والتاريخ والكتابة، وكان مليح الإنشاء له نظم ونثر، وقد تفرد بالعوالي، وكان فيه شائبة تشيع بلا رفض، وقد عمي في آخر عمره.
    وقد أهلته صفاته السابقة لأن يعمل فترة طويلة في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم يتولى بعد ذلك منصب القضاء في طرابلس.
    ومما أُثر عنه من نظمه قوله:

    الناس قد أثموا فينا بظنهم *** وصدقوا بالذي أدري وتدرينا
    ماذا يضرك في تصديق قولهم *** بأن نحقق ما فينا يظنونا
    حملي وحملك ذنبًا واحدًا ثقة *** بالعفو أجمل من إثم الورى فينا
    وقال أيضًا:

    توهم فينا الناس أمرًا وصممت *** على ذاك منهم أنفس وقلوب
    وظنوا وبعض الظن إثم وكلهم *** لأقواله فينا عليه ذنوب
    تعالي نحقق ظنهم لنريحهم *** من الإثم فينا مرة ونتوب

    شيوخه وتلاميذه
    سمع ابن منظور من ابن يوسف بن المخيلي، وعبد الرحمن بن الطفيل، ومرتضى بن حاتم، وابن المقير وطائفة، وتفرد وعمر وكبروا وأكثروا عنه، وروى عنه السبكي والذهبي، وقد حدث بمصر ودمشق.

    مؤلفاته
    غلب على ابن منظور في تواليفه عمل اختصارات للكتب السابقة عليه، وفي هذا يقول ابن حجر: "وكان -ابن منظور- مغرى باختصار كتب الأدب المطولة... وكان لا يمل من ذلك"، وقال الصفدى أيضًا: "ولا أعرف في كتب الأدب شيئًا إلا وقد اختصره".
    وفي جملة مصنفاته، قال الصفدي: "وأخبرني ولده قطب الدين أنه ترك بخطه خمسمائة مجلدة، قال: ولم يزل يكتب إلى أن أضر وعمي في آخر عمره رحمه الله تعالى".
    ومن أهم مصنفاته تلك ما يلي: مختار الأغاني الكبير، ويقع في اثني عشر جزءًا، وقد رتبه على الحروف مختصرًا، ومختصر زهر الآداب للحصري، ومختصر يتيمة الدهر للثعالبي، ولطائف الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، اختصر به ذخيرة ابن بسام، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر في ثلاثين مجلدا، ومختصر تاريخ بغداد للسمعاني، ومختصر كتاب الحيوان للجاحظ، ومختصر أخبار المذاكرة ونشوار المحاضرة للتنوخي، وله نثار الأزهار في الليل والنهار في الأدب، وأخبار أبى نواس، وقد جمع بين صحاح الجوهري وبين المحكم لابن سيده وبين الأزهري في سبع وعشرين مجلدة. وعن هذا قال الصفدي: "ورأيت أنا أولها بالقاهرة، وقد كتب عليه أهل ذلك العصر يقرظونه ويصفونه بالحسن، كالشيخ بهاء الدين بن النحاس، وشهاب الدين محمود، ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وغيرهم".
    واختصر أيضًا صفوة الصفوة، ومفردات ابن البيطار، وكتاب التيفاشي فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولى الألباب، اختصره في عشر مجلدات وسماه: "سرور النفس"، وله أيضًا تهذيب الخواص من درة الغواص للحريري، وغيرها.
    ويعد من أهم وأشهر أعماله وأكبرها، والذي طيّر اسمه في الآفاق هو كتابه "لسان العرب"، ذلك الذي جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعًا، ولأهميته ومكانته سنعرج عليه بشيء من التفصيل.

    لسان العرب.. أشمل معاجم العربية
    يُعد "لسان العرب" لابن منظور من أشهر المعاجم العربية وأطولها، كما يُعد أشمل معاجم العربية للألفاظ ومعانيها، وأتم المؤلفات التي صنفت في اللغة بصفة عامة، ومرجع العلماء والعمدة المعول عليه بين أهل هذا اللسان.
    وقد جمع ابن منظور في معجمه الخالد هذا بين أمهات المعجمات العربية الخمسة السابقة عليه، فجمع بين "تهذيب اللغة" للأزهري، و"المحكم" لابن سيده، و"الصحاح" للجوهري، و"حاشية الصحاح" لابن بري، و"النهاية في غريب الحديث" لعز الدين بن الأثير، ولم يذكر "جمهرة اللغة" لابن دريد، مع أنه رجع إليها كثيرا.
    وفي منهجه في معجمه هذا فقد نهج ابن منظور نهج الجوهري في الصحاح، وذلك باعتماد الترتيب الهجائي للحروف، بانيًا أبوابه على الحرف الأخير من الكلمة، وأول أبوابه ما ينتهي بالهمزة، وقد صرح في مقدمته بقوله: "ولا أدعي فيه دعوى، فأقول: شافهت أو سمعت، أو فعلت أو صنعت، أو شددت الرحال، أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء، أو حملت، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالاً، ولم يخليا لأحد فيها مجالاً، فإنهما عيّنا في كتابهما عمن رويا، وبرهنا عما حويا، ونشرا في خطبهما ما طويا، ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا... وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في هذه الكتب... وأديت الأمانة في نقل الأصول بالفص، وما تصرفت بكلام غير ما فيها من النص، فليعتد من ينقل عن كتابي أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة".
    هذا، وقد بلغ عدد المواد اللغوية التي ضمنها لسان العرب ثمانين ألف مادة، وهو ضعف ما في الصحيح، وأكثر بحوالي عشرين ألف مادة من المعجم الذي جاء بعده، وهو القاموس المحيط للفيروزآبادي.
    وقد صدّر ابن منظور "اللسان" بمقدمة غير قصيرة، افتتحها بالتحميد والتهليل، ثم أخذ في ذكر شرف اللغة العربية وارتباطها بالقرآن الكريم، ثم عرّج بعد ذلك على نقد التهذيب والمحكم والصحاح، ثم ذكر السبب الدافع إلى تأليف معجمه، والذي يتمثل في أنه وجد أن الذين سبقوه إما أحسنوا الجمع وأساءوا الوضع والترتيب، وإما أحسنوا الوضع ولكنهم أساءوا الجمع، وقد عنى بذلك أنه أراد الجمع بين صفتي الاستقصاء والترتيب.
    ووضع ابن منظور بين المقدمة والمعجم بابين: الأول في تفسير الحروف المقطعة في أول سور القرآن الكريم، والثاني في ألقاب حروف المعجم وطبائعها وخواصّها، ثم إنه رتب معجمه على نظام الأبواب والفصول، حيث يعالج كل باب حرفًا من حروف الهجاء، وفقًا لآخر جذر الكلمة، ثم يورد في كل باب فصلاً لكل حرف وفقًا لأوائل جذور الكلمات، وهي نفسها الطريقة التي عليها -كما ذكرت- معجم الجوهري "الصحاح"، وقد فرغ منه سنة تسع وثمانين وستمائة من الهجرة.
    وإن "لسان العرب" ليُعد بعد ذلك معجمًا موسوعيًّا يتسم بغزارة المادة، حيث يستشهد فيه مؤلفه بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأبيات الشعر، وقد بلغ الشعر الذي استشهد به ابن منظور قرابة اثنين وثلاثين ألف بيت، موزعة بين عصور الرواية الشعرية من جاهلي ومخضرم وإسلامي وأموي وعباسي، وذلك إضافة إلى روايته لآلاف من آراء اللغويين والنحويين، وغير ذلك من الأخبار والآثار، مما يعكس كثيرًا من مظاهر حياة اللغة العربية وحياة المجتمع العربي، على نحو يجعله مفيدًا لا في المجال المعجمي فقط، بل وفي مجالات علمية أخرى كثيرة.
    وقد طبع الكتاب بالطابعة الأميرية ببولاق (القاهرة) في عشرين جزءًا كبيرًا ينيف كل منها على ثلاثمائة صفحة، حظيت بإعجاب العلماء، وقد استدرك عليها العلامة أحمد تيمور بعض الأخطاء المطبعية التي نشرها في جزء صغير باسم: "تصحيح لسان العرب"، كما استدرك عليها الأستاذ عبد السلام هارون أخطاء أخر نشرها في مجلة مجتمع اللغة العربية (المصري).
    وقد قامت دائرة المعارف (بالقاهرة) بإعادة ترتيب مواد الكتاب تبعًا لأوائل الجذور لا أواخرها، وهو الأسلوب المتّبع في معظم معاجم اللغة العربية الحديثة، وذلك بخلاف ترتيبه الأصلي الذي كان يلتزم طريقة "الصحاح" بالترتيب وفق الحرف الأخير فالأول فالثاني... إلخ، وقد قام بتحقيقه ثلاثة من الباحثين هم: محمد أحمد حسب الله، وعبد الله على الكبير، وهاشم محمد الشاذلي، وخرج الكتاب في ستة أجزاء من القطع الكبير المطبوع بحرف صغير، أعقبته ثلاثة أجزاء هي الفهارس الفنية للكتاب.

    وفاته
    بعد حياة علمية حافلة، وبعد أن تولى نظر القضاء في طرابلس، عاد ابن منظور أدراجه إلى مصر، وفيها توفاه الله في شعبان سنة إحدى عشرة وسبعمائة من الهجرة، عن اثنتين وثمانين سنة، وكان ذلك قبل ولادة صاحب "القاموس المحيط" الذي أتى بعده بثماني عشرة سنة.
     

  5. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    الجوهــري

    اسمه ومولده
    هو إسماعيل بن حمَّاد الجوهري، التركي الأُترَارِيُّ -وأترار: هي مدينة فاراب- اللغويُّ، أحد أركان اللغة، يكنى أبا نصر، وهو ابن أخت أبي إسحاق الفارابي صاحب ديوان الأدب[1]. ولد في فاراب من بلاد الترك[2]، ولكن لم نجد أيًّا من كتب التراجم -على كثرة تلك التي ترجمت له- ذكرت أو عيَّنت تاريخ ولادته، أو ما يشير إلى ذلك.
    كان الجوهري يُؤثِر السفر على الوطن، فدخل العراق وسافر إلى أرض الحجاز، ولما قضى وطره من الطواف، عاد راجعًا إلى خراسان، ثم نزل نيسابور، فلم يزل مقيمًا بها على التدريس والتأليف، وتعليم الخط، وكتابة المصاحف والدفاتر، حتى مضى لسبيله[3].

    ملامح شخصيته وأخلاقه
    كان الجوهري يحب الأسفار، ويؤثر الغربة على الوطن، وهو من أعاجيب الزمان ذكاءً وفطنةً وعلمًا[4]، وكان ممن آتاه الله قوةً وبصيرة، وحسن سريرة وسيرة؛ وقد وصفه الذهبي بقوله: "وكان من أذكياء العالم"[5]، وبمثل هذا أيضًا ابن حجر[6]. وقد برع في علم اللغة والأدب، حتى صار أحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة.
    ولم يقف نبوغ الجوهري عند حدِّ علوم اللغة وآدابها فقط، بل إنه تطرق أيضًا إلى فنون وعلوم أخرى، كان أبرزها هنا ما كان من جودة خطِّه وحسنه وجماله، حتى صار في ذلك أيضًا مضرب المثل، وحتى عُدَّ في الخط المنسوب مع ابن مُقْلة (هو محمد بن علي بن حسن ابن مقلة الوزير الشاعر الذي ضُرِب بحسن خطِّه المثل)، وابن البوَّاب (هو علي بن هلال المعروف بابن البواب)، ومهلهل، واليزيدي، فلا يكاد يُفرَّق بينه وبين خط أبي عبد الله ابن مقلة[7].
    آراء العلماء فيه
    قال عنه ياقوت الحموي: "وهو إمام في علم اللغة والأدب"[8]. وذكره أبو الحسين الباخرزي فقال: "هو صاحب صحاح اللغة، لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه"[9].
    وقال أبو منصور عبد الملك بن أحمد بن إسماعيل الثعالبي اللغوي في كتابه (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر): "أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري من أعاجيب الدنيا... وهو إمام في علم لغة العرب، وخطه يضرب به المثل في الحسن... وله كتاب الصحاح"[10]. وقال ابن بَرِّي: "الجوهري أَنْحَى اللغويين"[11].

    آراء العلماء في مؤلفاته
    قال ياقوت الحموي عن كتابه الصحاح في اللغة: "وهذا الكتاب هو الذي بأيدي الناس اليوم، وعليه اعتمادهم، أحسن تصنيفه، وجوَّد تأليفه، وقرَّب متناوله، وأبرَّ في ترتيبه على من تقدَّمه، يدل وضعه على قريحة سالمة، ونفس عالمة؛ فهو أحسن من الجمهرة، وأوقع من تهذيب اللغة، وأقرب متناولاً من مجمل اللغة"[12]. وفيه يقول أبو محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوسٍ النيسابوري:
    هذا كتابُ الصِّحاح سيِّدُ ما *** صُنِّف قبل الصحاح في الأدبِ
    تَشْمَلُ أبوابـهُ وَتَجْمَعُ مـا *** فُرِّق في غيره مـن الكُتُـبِ[13]

    شيوخه
    دخل الجوهري العراقَ، فقرأ علم العربية على شَيْخَيْ زمانه ونورِ عين أوانه: أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي، وسافر إلى أرض الحجاز، وشافه باللغة العرب العاربة، وقد ذكر هو ذلك في مقدمة كتاب الصحاح من تصنيفه، ثم هو قد اخترق البدو والحضر، وطوَّف بلاد ربيعة ومضر، وأجهد نفسه في الطلب[14].
    ولما قضى وطره من الطواف وقطع الآفاق والأخذ عن علماء الشام والعراق، عاد راجعًا إلى خراسان، وتطرَّف الدَّامَغان، فأنزله أبو علي الحسين بن علي -وهو من أعيان الكُتَّاب وأفراد الفضلاء- عنده، وبالغ في إكرام مثواه جهده، وأخذ من أدبه وخطِّه حظَّه، ثم سرحه إلى نيسابور، فلم يزل مقيمًا بها على التدريس والتأليف وتعليم الخط الأنيق، وكتابة المصاحف والدفاتر، حتى مضى لسبيله عن آثار جميلة وأخبار حميدة[15].
    وفي نيسابور المغترب بها، أورد الجوهري من نتفه:
    وها أنا يونس في بطن حوتٍ *** بنيسابور في ظلل الغمام
    فبيتي والفؤادُ ويوم دَجْـنٍ *** ظلامٌ في ظلامٍ في ظـلام[16]

    هذا، وقد أخذ الجوهري العربية أيضًا عن خاله إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الفارابي، صاحب (ديوان الأدب)[17].

    تلامذته:
    من أشهر تلاميذ الجوهري: أبو علي الحسين بن علي[18]، وأبو إسحاق إبراهيم بن صالح الورَّاق[19]، وغيرهما.

    الجوهري الشاعر
    برع الجوهري في علوم اللغة العربية وآدابها، حتى لكأنه لم يكن هناك فنٌّ منها إلا وأدلى فيه بدلوه؛ وفي نظم الشعر فقد قال فيه الذهبي: "وللجوهريِّ نظمٌ حسن"[20]. وأبلغ الثعالبي بعض الشيء فقال: "وللجوهري شعر العلماء، لا شعر مفلقي الشعراء"[21]. وكان مما أنتجته قريحته في ذلك قوله:
    يا ضائعَ العُمر بالأمـاني *** أما ترى رَوْنق الزمـان
    فقُم بنا يا أخا الملاهـي *** نخرج إلى نهر بُشْتَقـانِ
    كأننا والقصـور فيـها *** بحافتي كَوْثَـر الجنـانِ
    والطيرُ فوق الغصون تحكي *** بحسن أصواتها الأغاني
    وراسلَ الوُرْقَ عندليـبٌ *** كالزِّير والبَمِّ والمثـاني
    فُرْصَتُك اليوم فاغْتنِمْها *** فكلُّ وقتٍ سواه فـانِ[22]

    ومن شعره أيضًا:
    لو كان لي بدٌّ من الناس *** قطعت حبل الناس بالياس
    العزُّ في العزلة لكنَّـه *** لا بدَّ للنـاس من النـاس[23]

    وقوله أيضًا:

    يا صاحب الدَّعوة لا تجزعَنْ*** فكلُّنا أزهـد من كُرْزِ
    والماء كالعنبر فـي قُومـسٍ*** من عزِّه يُجعل في الحِرْز
    فسقِّنا مـاءً بلا منّـةٍ*** وأنت في حلٍّ مـن الخبـز[24]

    منهجه في كتابه الصحاح في اللغة
    يعتبر الجوهري في صحاحه هذا مبتكرًا ومطورًا في ترتيب المعاجم العربية، وهو مبدع من أعلام اللغة، وقد أدرك بوعيه ما يقاسيه الباحث في معجم العين، وكذا في جمهرة ابن دريد التي أراد بها صاحبها أن يخفف عن قارئها فأثقل عليه ولم يوفَّق في مرماه، وكذلك الأزهري لم يغيِّر كثيرًا عن نهج من سبقه؛ فكانت مسألة اللغة عالقة بين هذه المعاجم، لا يتمكن القارئ بسبيلٍ سهل إلى إدراك مبتغاه والوصول إلى ضالته.
    ومن هنا فقد صبَّ الجوهري جهده في وضع معجمه، بحيث يتمكن المطَّلِع من الوصول إلى ما يريد بما لا ينقص ولا يزيد[25].
    واهتم فيه بإيراد كل صحيح من كلام العرب مقتصرًا عليه، يقول السيوطي - بعد أن قام بسرد طائفة من كتب اللغة المشهورة -: "وغالب هذه الكتب لم يلتزم فيها مؤلفوها الصحيحَ، بل جمعوا فيها ما صحَّ وغَيْرَه، وينبهون على ما لم يثبت غالبًا، وأولُ مَن التزمَ الصحيح مقتصرًا عليه الإمامُ أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجَوْهَري؛ ولهذا سمَّى كتابه بالصحاح"[26].
    وفي مقدمته قال الجوهري: "قد أوْدَعْتُ هذا الكتاب ما صحَّ عندي من هذه اللغة التي شرَّف اللّه منزلتَها، وجعل عِلْم الدِّين والدنيا مَنُوطًا بمعرفتها، على ترتيبٍ لم أُسْبَق إليه، وتهذيبٍ لم أُغلبْ عليه في ثمانية وعشرين بابًا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلاً على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق روايةً، وإتقانها دِرايةً، ومُشافهتي بها العربَ العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آلُ في ذلك نُصْحًا، ولا ادَّخَرتُ وسعًا"[27].
    ومن خلال مقدمته تلك فإن الجوهري -كما تقول د. رحاب خضر- يفيد أنه قسَّم كتابه الصحاح إلى ثمانية وعشرين بابًا بحسب أواخر الكلم، ثم نظر كَرَّةً ثانيةً إلى أوائل الكلم فجعل في كل باب فصوله، بعد أن يجرِّد المادة من حروف الزيادة في أوَّلها وآخرها. فمثال المزيد: الأرنب، والأزيب، والأنبوبة؛ لأن الكلمة إذا كان في أولها ألف وبعدها ثلاثة أحرف فأكثر، تكون زائدة لا تُعَدّ من الأصول، فيقال: في أرنب وزنه أفعل، وفي أنبوبة أفعولة، فالحروف المقابلة للفاء والعين واللام هي الأصول، وتأسيسًا على هذا الشرح فإنه يذكر هذه الألفاظ الثلاثة في فصل الراء والزاي والنون من باب الباء.
    وكذلك ما بعد الحرف الأول رتبه على ترتيب حروف المعجم، فإذا قال: باب الباء، بدأ فيه بفصل الألف، وجاء فيه بحروف الوسط على الترتيب حتى يصل إلى الألف التي تليها الواو، فيقدِّمها على ما تليها الهاء، وهكذا في كل فصل، يقدِّم فصل الواو من كل باب على فصل الهاء، ويؤخِّر الياء بخلاف الأبواب، فإنه قدم فيها باب الهاء قبل الواو ليجعلها مع الياء في باب واحد، فصارت الحروف التي بوَّب لها سبعة وعشرين، إلا أنه لما كانت الألف على قسمين مهموزة ولينة جعل الأولى في أول الأبواب، وعقد للثانية اللينة غير المنقلبة عن واو أو ياء، فكملت الأبواب ثمانية وعشرين بابًا[28].
    وفي وصف عام لكتاب الصحاح، فقد قال أبو زكريا الخطيب التِّبريزي اللغوي: "وكتاب الصِّحاح هذا كتابٌ حسنُ الترتيب، سَهلُ المطلبِ لِما يُراد منه، وقد أتى بأشياءَ حسنة، وتفاسير مشكلات من اللغة، إلاَّ أنه مع ذلك فيه تصحيفٌ"[29].
    وهذا التصحيف ينسبه أبو زكريا السابق إلى الجوهري لا إلى الناسخ، فيقول: "فيه تصحيفٌ لا يُشَكُّ في أنه من المصنِّف لا من الناسخ؛ لأنَّ الكتاب مبنيٌّ على الحروف. قال: ولا تخلو هذه الكتبُ الكِبار من سهْوٍ يقعُ فيها أو غلطٍ، وقد ردَّ على أبي عبيد في الغريب مواضع كثيرة منه، غير أن القليل من الغَلط الذي يقع في الكُتب إلى جنبِ الكثير الذي اجتهدوا فيه وأتعبوا نفوسهم في تصحيحه وتنقيحه معفوٌّ عنه"[30].
    على أن هناك من ينسب هذا التصحيف إلى عمل آخر، وهذا العمل يكمن في أن الجوهري مات قبل تبييضه، وأن الذي بيَّضه لم يقرأه عليه؛ يقول السيوطي: "وقيل: إن سببه أنه لما صنَّفَهُ سُمِع عليه إلى باب الضاد المعجمة، وعَرَضَ له وسْوَسَةٌ؛ فألْقى نفسه من سَطْحٍ فمات، وبقي سائر الكتاب مُسَوَّدة غيرَ مُنَقَّح ولا مبيَّض، فبيَّضَه تلميذُه إبراهيم بن صالح الورَّاق، فَغَلِطَ فيه في مواضع غلطًا فاحشًا"[31].
    وقد حدَّد ياقوت الحمويّ في معجمه الشخصَ الذي صُنِّف له الصِّحاح، فقال: "كان الجوهري قد صنَّف كتاب الصحاح للأستاذ أبي منصور عبد الرحيم بن محمد البيشكي، وسمعه منه إلى باب الضاد المعجمة"[32].

    وأيًّا ما كان الأمر، فقد وقف على هذه التصحيفات المحققون وتتبعها العالمون، ومَنْ ذا الذي ما ساء قَطُّ؟! ومن له الحسنى فقط؟! فإنه رحمه الله غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الذين تقدموه وتأخروا عنه، فإني لا أعلم كتابًا سُلِّم إلى مؤلفه فيه، ولم يتبعه بالتتبع من يليه"[33].
    وقد ألَّف الإمام أبو محمد عبد الله بن بَرِّي الحواشيَ على الصِّحاح؛ وصَلَ فيها إلى أثناء حرف الشين، قيل: سماها (التنبيه والإفصاح عما وقع من الوهم في كتاب الصحاح) وهو أجود تأليفه، وكان أستاذه علي بن جعفر بن القَطَّاع ابتدأها، وبَنَى ابن بري على ما كتب ابن القطاع، وقد أكملها الشيخ عبد الله بن محمد البسطي. وألَّف أيضًا الإمام رضيّ الدين حسن بن محمد الصَّغَاني (التَّكْمِلَة على الصحاح)، ذَكَرَ فيها ما فاته من اللغة، وهي أكبرُ حجمًا منه. وتناول الصحاح أيضًا الكثير من العلماء الأفاضل بالإصلاح والتحقيق، وتخريج أحاديثه، وعمل اختصارات وترجمات له[34].

    مؤلفاته
    غير الصحاح الذي يقع في جزأين، والذي لولاه لكفى، فإن للجوهري مؤلفات أخرى مفيدة، فله كتاب في (العروض) وهو كتاب جيد، سمَّاه (عروض الورقة)، وله كتاب المقدمة في النحو[35].

    وفاته
    في وفاة الجوهري وردت قصة غريبة، إلا أن المصادر التاريخية تكاد تُجمع عليها، وهي أنه صنع جناحين من خشبٍ وربطهما بحبل، ثم انتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس، إني عملتُ في الدنيا شيئًا لم أُسْبَق إليه، فسأعمل للآخرة أمرًا لم أسبق إليه. وضمَّ إلى جنبيه مصراعي بابٍ وسَّطَهما بحبلٍ، وصعد مكانًا عاليًا من الجامع، وزعم أنه يطير، فوقع فمات[36]. وكان ذلك -على الأرجح- في سنة ستٍّ وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، رحمه الله تعالى.
     

  6. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    الخليل بن أحمد الفَرَاهِيديُّ

    اسمه ونسبه
    هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفَرَاهِيديُّ، ويقال: الفُرْهودِي، الأزدي. والفراهيدي نسبة إلى فراهيد، وهي بطن من الأزد. والفرهود: ولد الأسد بلغة أزد شَنُوءة، وقيل: إن الفراهيد صغار الغنم[1].
    وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: "أول من سُمِّي في الإسلام أحمد (بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أبو الخليل بن أحمد العروضي"[2].

    مولده وبلده
    كان مولده في العام المتم مائة من الهجرة (100هـ) في زمن الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز[3]. ولا يُعلم على التحقيق أين كان مولده، وإن كان بعضهم يقول إنه ولد بمدينة عُمان على شاطئ الخليج العربي [4]، وعاش في البصرة[5].

    ملامح شخصيته وأخلاقه
    كان الخليل بن أحمد -رحمه الله- رجلاً صالحًا عاقلاً، وقورًا كاملاً، مفرط الذكاء، وأكثر ما كان من صفاته بعد سيادته في العلم وانقطاعه له ما كان من زهده وورعه؛ إذ كان متقللاً من الدنيا جدًّا، متقشفًا متعبدًا، صبورًا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: "إني لأغلق عليَّ بابي فما يجاوزه همي"[6].
    وليس أدل على ذلك مما حكاه عنه تلميذه النضر بن شميل حيث قال: "أقام الخليل في خُصٍّ من أخصاص البصرة، لا يقدرُ على فَلْسَيْنِ، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال"[7].
    هذا، وقد رُوِي له في الزهد:

    وقبلك داوى الطبيبُ المريضَ *** فعاش المريض ومات الطبيـب
    فكن مستعدًّا لـداء الفنـا *** فإن الـذي هـو آتٍ قريـب
    ويُحكى عنه أيضًا أنه كان كثيرًا ما ينشد بيت الأخطل:

    وإذا افتقرت إلى الذَّخائر لم تجدْ *** ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال

    ومن حكايات زهده أن سليمان بن عليٍّ والي البصرة وجَّه إليه يلتمس منه الشخوص إليه وتأديب أولاده نظير راتب يُجرِيه عليه، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزًا يابسًا، وقال: ما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي في سليمان. فقال الرسول: فماذا أبلغه عنك؟ فأنشأ يقول:

    أبلغ سليمان أني عنـه في سعـةٍ *** وفي غِنًى غير أني لسـت ذا مـالِ
    سخَّى بنفسيَ أني لا أرى أحـدًا *** يموت هزلاً ولا يبقي على حـالِ
    والفقر في النفس لا في المال نعرفه *** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المـالِ
    فالرزق عن قَدَرٍ لا العجز ينقصـه *** ولا يزيـدك فيه حَـْولُ محتـال[8]
    فقطع عنه سليمان الراتب، فقال الخليل:

    إن الذي شقَّ فمي ضامن *** للـرزق حتى يتوفـاني
    حرمتني خيرًا قليلاً فما *** زادك في مالك حرمـاني

    فبلغت سليمان، فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف راتبه، فقال الخليل:

    وزَلَّة يكثر الشيطان إن ذكرت *** منها التعـجب جاءت من سليمـانا
    لا تعجبَنَّ لخيرٍ زلَّ عن يـده *** فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا[9]

    وفوق زهده وورعه، وتقواه وعلمه، فقد كان الخليل رجلاً ظريفًا متواضعًا حسن الخُلُق؛ ومما ذُكر في ذلك أنه اشتغل عليه رجل في العروض وكان بعيد الفهم، فأقام مدةً ولم يعلق على خاطره شيء منه، قال الخليل: فقلت له يومًا: كيف تقطِّع هذا البيت؟

    إذا لم تستطع شيئًا فدعـه *** وجاوزه إلى ما تستطيـع

    قال الخليل: "فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعُدْ إليَّ، وكأنه فهم ما أشرت إليه"[10]. وهنا يتجلَّى أدب الخليل وحسن خُلُقه مع تلامذته، وكيف كان يستعمل منهجًا تربويًّا فريدًا في تعليمه إياهم.

    ومن أفضل ما عُلم عن أدب الخليل وتواضعه ما حكاه عنه أيوب بن المتوكل حيث يقول: "وكان الخليل إذا أفاد إنسانًا شيئًا لم يُرِه أنه أفاده، وإن استفاد من أحدٍ شيئًا أراه بأنه استفاد منه"[11]. وفي ذلك ما فيه من سموٍّ نفسي وإنكارٍ للذات، فضلاً عن احترام المعلم والإقرار بفضله على المتعلم؛ إذ ذاك من بعض حقوقه.
    وفي مثل ذلك أيضًا ما أخبر به تلميذه النضر بن شميل حيث قال: "ما رأيت أحدًا يُطلب إليه ما عنده أشد تواضعًا منه"[12].
    وفي موقفٍ يجسِّد صفة التواضع هذه يحكي الفضل بن محمد اليزيدي فيقول: "قدم الخليل بن أحمد عليَّ وأنا على طِنْفسةٍ، فأوسعت له عليها، فأبى إلا القعود معي عليها، ثم قال: مهلاً، إن الموضع الضيق يتسع بالمتحابين، وإن الواسع من الأرض ليضيق بالمتباغضين؛ ثم أنشأ الخليل بن أحمد يقول:

    يقولون لي دار المحبين قد دنـت*** وإني كئيب إن ذا لعجـيب
    فقلت: وما يغني الديار وقربها*** إذا لم يكن بين القلوب قريب[13]

    شيوخه
    كغيره من أقرانه وعلماء عصره، فقد أخذ الخليل وتتلمذ على أكثر من شيخ وأستاذ، وكان منهم أيوب السختياني البصري، وقد فقه اللغة عليه، وأيضًا عاصم الأحول بن النضر البصري، والعوام بن حوشب، وغالب بن خطاف القطان البصري[14]، وكذلك أبو عمرو بن العلاء، وعثمان بن حاضر الأزدي، وغيرهم[15].

    تلاميذه
    كان تلاميذه -رحمه الله- من الكثرة والنجابة بمكان، وكان أبرزهم (سيبويه) النحوي البصري حُجَّة العربية، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، وحماد بن يزيد، وأيوب بن المتوكل البصري القارئ، وبَدَل بن المحبَّر، وداود بن المحبر، وعلي بن نصر الجهضمي الكبير، وعون بن عمارة، والمُؤَرِّج بن عمرو السدوسي، وموسى بن أيوب، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي الأعور، ووهب بن جرير بن حازم، ويزيد بن مرة الذَّارع، والليث بن المظفر[16].
    وإذا كان من أكبر أسباب شهرة الخليل بن أحمد هو تلميذه سيبويه في مؤلَّفه الشهير (الكتاب)؛ إذ عامَّة الحكاية فيه عن الخليل، وكلما قال سيبويه في كتابه: "وسألته" من غير أن يذكر قائله، فإنما يعني بذلك الخليل[17].

    مؤلفاته
    إن من أهم ما طيَّر اسم الخليل وأذاع شهرته في الآفاق هو كتابه ومعجمه البِكْر من نوعه في مصنفات اللغة العربية: (كتاب العين)، ولم يكن (العين) هو مصنَّفه الوحيد، وإنما ذكرت كتب المراجع أن له أيضًا: كتاب (فائت العين)، وكتاب (العروض)، وكتاب (الشواهد)، وكتاب (النقط والشكل)، وكتاب (النغم)، وكتاب في (معنى الحروف)، وكتاب في (العوامل)، وكتاب (الإيقاع)، وكتاب (تصريف الفعل)، وكتاب (التفاحة في النحو)، وكتاب (جملة آلات الإعراب)، وكتاب (شرح صرف الخليل)، وكتاب (الجمل)، وكتاب (المُعَمَّى)، وغيرها[18].

    منهجه في كتاب العين
    لقد رتَّب الخليل في (العين) الحروف العربية على مخارجها من الحلق على النظام التالي، كما جاء في مقدمته لكتاب العين: ع، ح،هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، د، ت، ظ، ث، ذ، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ا، ي، همزة[19].
    وإذا كان الخليل قد عدَّ العين أقصى الحروف مخرجًا، فإن سيبويه يذكر أن الهمزة أقصى الحروف مخرجًا. غير أن ابن كيسان يروي أنه سمع من يذكر عن الخليل أنه قال: "لم أبدأ بالهمزة لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء الكلام ولا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مُبْدَلَةً، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفيَّة لا صوت لها، فنزلتُ إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدتُ العين أنصع الحرفين؛ فابتدأت به ليكون أحسنَ في التأليف"[20].
    وقد بسط الخليل في العين الكلام في هذه الحروف ومخارجها، فعدَّها تسعة وعشرين حرفًا، جعل منها خمسة وعشرين حرفًا صحاحًا لها أحياز ومدارج، كما جعل منها أربعة هوائية. ولقد وَسَم الخليل كتابه المعجم هذا بأول حرف اعتمده، وهو العين.
    ولما كان الخليل أول واضعٍ للكلم العربي في صورة معجمية، كان عليه بعد ذلك أن يستقصي الكلمات بعد أن اختار الترتيب، وكان اعتماده على ما ساقه الصرفيون - ممن سبقه - من حصرٍ لأبنية الكلمة، وجعلها إما ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية. وعلى هذا وجد الخليل أن مبلغ عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من دون تكرار، اثنا عشر ألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسمائة آلاف وأربعمائة واثنا عشر (12305412):
    الثنائي: سبعمائة وست وخمسون (756).
    الثلاثي: تسعة عشر ألفًا وستمائة وست وخمسون (19656).
    الرباعي: خمسمائة ألف وأحد وتسعون ألفًا وأربعمائة (591400).
    الخماسي: أحد عشر ألف ألف، وسبعمائة وثمانٍ وثلاثون ألفًا وستمائة (11738600).
    اعتمد الخليل في هذا الإحصاء على تنقّل الحرف في بنيته من الكلمة، فالحرف في الكلمة الثنائية ينتج عن تنقله صورتان يكون أولاً ويكون ثانيًا، والحرف في الكلمة الثلاثية ينتج عن تنقله صور ثلاث يكون أولاً وثانيًا وثالثًا، والحرف في الكلمة الرباعية ينتج عن تنقله صور أربع، وفي الكلمة الخماسية صور خمس. ولا شك أن هذا الاستقصاء ثم الاستصفاء اقتضى من الخليل جهدًا حثيثًا، وفكرًا كبيرًا[21].

    آراء العلماء فيه
    إحقاقًا للحق، وامتنانًا بالفضل، وعرفانًا بالسبق فقد أثنى كثير من علماء المسلمين على الخليل بن أحمد رحمه الله، وأنزلوه المكانة اللائقة به، حتى قال عنه حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب (التنبيه على حدوث التَّصحيف): "وبعد، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم تكن لها أصول عند علماء العرب من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيمٍ أخذه، ولا على مثال تقدَّمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممرّ له بالصَّفَّارين من وقع مطرقة على طست، ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان عين جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة لشكَّ فيه بعض الأمم؛ لصنعته ما لم يضعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيسه بناء كتاب (العين) الذي يحصر فيه لغة كل أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه في علم النحو بما صنَّف كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام"[22].
    وقال عنه سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله: "من أحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ خُلِق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد"[23].
    ويُروى عن تلميذه النضر بن شميلٍ أنه قال: "كنا نُمَيِّل بين ابن عونٍ والخليل بن أحمد أيهما نقدِّم في الزهد والعبادة، فلا ندري أيهما نقدِّم؟!" وكان يقول: "ما رأيت رجلاً أعلم بالسُّنَّة بعد ابن عونٍ من الخليل بن أحمد"[24]. وكان يقول:" أُكِلَت الدنيا بأدَب الخليل وكُتُبِه وهو في خُصٍّ لا يُشْعَر به. وكان يحج سنةً، ويغزو سنةً، وكان من الزهَّاد المنقطعين إلى الله تعالى"[25].
    وقال السيرافي: "كان الغاية في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله"[26]. وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: "كان أهل البصرة -يعني أهل العربية- من أصحاب الأهواء إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سُنَّة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي"[27]. وقال عنه ابن حبان في كتاب الثقات: "كان (أي الخليل) من خيار عباد الله المتقشفين في العبادة"[28].

    وفاته
    كما كان الخليل عجيبًا في حياته، متفردًا بين بني جنسه، كانت وفاته أيضًا كذلك؛ فقد أراد أن يُقرِّب نوعًا جديدًا من الحساب تمضي به الجارية إلى البائع فلا يمكنه ظلمها، فدخل المسجد وهو يُعمِل فكره في ذلك، ولكن أجله كان بالمرصاد، حيث صدمته سارية وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته. وقيل: بل كان يقطِّع بحرًا من العروض، وكان ذلك بالبصرة سنة سبعين ومائة من الهجرة (170هـ) على المشهور، ودُفِن بها[29].
    عن موقع قصة الإسلام
     

  7. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    الفيروزآبادي

    إسمه ومولده
    محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي. كان رحمه الله تعالى ينتسب إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، صاحب التنبيه، وربما يُرفع نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان يكتب بخطه: (الصديقي)[1].
    وُلِد الفيروزآبادي عام 729هـ/ 1329م[2]، وذلك في كازرون من أعمال شيراز[3]، وانتقل إلى العراق، وجال في مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند، وزَبِيد باليمن حيث استقر بها العشرين عامًا الأخيرة من عمره[4].

    أهم ملامح شخصيته وأخلاقه
    كان الإمام محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي حادَّ الذهن، شديد الذكاء، سريع البديهة، ذا فطنة عظيمة، وكان حريصًا غاية الحرص على تحصيل العلم وشراء الكتب وحملها معه، مهما كلفه ذلك من مشقَّات، أو جَلَبَ لَهُ من متاعب.
    وعن ذلك يقول ابن حجر في (إنباء الغمر بأبناء العمر): "وقد أكثر المجاورة بالحرمين، وحصل دنيا طائلة وكتبًا نفيسة، لكنه كان كثير التبذير، وكان لا يسافر إلا وصحبته عدة أحمال من الكتب، ويُخرِج أكثرها في كل منزلة ينظر فيها، ويعيدها إذا رحل"[5]، وكان لا ينام حتى يحفظ مائتي سطر[6].

    نشأته
    نشأ بكازرون، فحفظ القرآن بها وهو ابن سبع، وجوَّد الخط ثم نقل فيها كتابين من كتب اللغة، وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمانٍ، وأخذ اللغة والأدب عن والده ثم عن القوَّام عبد الله بن محمود بن النجم وغيرهما من علماء شيراز، وسَمِع فيها على الشمس أبي عبد الله محمد بن يوسف الأنصاري الزَّرَندي المدني الصحيحَ، بل قرأ عليه جامع الترمذي هناك درسًا بعد درس في شهور سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وارتحل إلى العراق فدخل واسط وقرأ بها القراءات العشر على الشهاب أحمد بن علي الديواني، ثم دخل بغداد في السنة المذكورة فأخذ عن التاج محمد بن السباك، والسراج عمر بن علي القزويني[7].

    شيوخه
    ارتحل إلى دمشق فدخلها سنة خمس وخمسين فسمع بها من التَّقِي السبكي، وأكثر من مائة شيخ منهم ابن الخبَّاز، وابن القيِّم، ومحمد بن إسماعيل بن الحموي، وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، وأحمد بن مظفر النابلسي، ويحيى بن علي بن مجلي بن الحداد الحنفي، وغيرهم ببعلبك وحماة وحلب، وبالقدس من العلائي والبياني والتقي القلقشندي. ثم دخل القاهرة بعد أن سمع بغزة والرَّملة، فكان ممن لقيه بها البهاء بن عقيل، والجمال الأسنوي، وابن هشام النحوي، وسمع من العز بن جماعة، والقلانسي، والمظفر العطار، وناصر الدين التونسي، وناصر الدين الفارقي، وابن نباتة، والعرضي، وأحمد بن محمد الجزائري. وسمع بمكة من الضياء خليل المالكي، واليافعي، والتقي الحرازي، ونور الدين القسطلاني، وجماعة. وجال في البلاد الشمالية والمشرقية، ودخل بلاد الروم والهند، ولقي جمعًا من الفضلاء وأخذ عنهم[8].

    تلاميذه
    من تلاميذه: الشاعر المؤرخ الصلاح الصفدي، والبهاء بن عقيل، والجمال الأسنوي، وابن هشام النحوي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم[9].

    مؤلفاته
    في التفسير:
    (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) مجلدان، و(تنوير المقياس في تفسير ابن عباس) أربع مجلدات، و(تيسير فاتحة الإياب في تفسير فاتحة الكتاب) مجلد كبير، و(الدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن العظيم)، و(حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص)، و(شرح قطبة الحُساف في شرح خطبة الكشاف).
    وفي الحديث والتاريخ:
    (شوارق الأسرار العلية في شرح مشارق الأنوار النبوية) أربع مجلدات، و(منح الباري بالشيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري)، و(عمدة الحكام في شرح عمدة الأحكام) مجلدان، و(امتضاض السهاد في افتراض الجهاد) مجلد، و(الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الجهاد) ثلاث مجلدات، و(النفحة العنبرية في مولد خير البرية)، و(الصلاة والبشر في الصلاة على خير البشر)، و(الوصل والمُنَى في فضل مِنَى)، و(المغانم المطابة في معالم طابة)، و(مهيج الغرام إلى البلد الحرام)، و(إثارة الحجون لزيارة الحجون)، و(أحاسن اللطائف في محاسن الطائف)، و(فصل الدرة من الخرزة في فضل السلامة على الجنزة) قريتان بوادي الطائف، و(روضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر)، و(المرقاة الوفية في طبقات الحنفية)، و(البلغة في تراجم أئمة النحاة واللغة)، و(الفضل الوفي في العدل الأشرفي)، و(نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان) في مجلد، و(تعين الغرفات للمعين على عين عرفات)، و(منية السُّول في دعوات الرسول)، و(التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح)، و(تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول)، و(الدر الغالي في الأحاديث العوالي)، و(سِفر السعادة)، و(المتفق وضعًا والمختلف صنعًا).

    وفي اللغة وغيرها:
    (اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب)، و(القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من لغة العرب شماطيط) في جزأين ضخمين وهو عديم النظير، و(مقصود ذوي الألباب في علم الأعراب) مجلد، و(تحبير الموشين فيما يقال بالسين والشين)، أخذه عنه البرهان الحلبي الحافظ، ونقل عنه أنه تتبع أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضعٍ، مع تعظيمه لابن فارس وثنائه عليه. و(المثلث الكبير) في خمس مجلدات، و(الصغير)، و(الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف)، و(الدرر المبثثة في الغرر المثلثة)، و(بلاغ التلقين في غرائب اللعين)، و(تحفة القماعيل فيمن يسمى من الملائكة والناس إسماعيل)، و(أسماء السراح في أسماء النكاح)، و(أسماء الغادة في أسماء العادة)، و(الجليس الأنيس في أسماء الخندريس) في مجلد، و(أنواء الغيث في أسماء الليث)، و(أسماء الحمد)، و(ترقيق الأسل في تصفيق العسل) في كراريس، و(مزاد المزاد وزاد المعاد في وزن بانت سعاد) وشرحه في مجلد، و(النخب الطرائف في النكت الشرائف)، إلى غيرها من المؤلفات[10].

    ثناء العلماء عليه
    قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: "كان حافظًا للغة، واسع المعرفة بها"[11]. قال عنه التَّقِيُّ الكِرْمانيُّ: "كان عديم النظير في زمانه، نظمًا ونثرًا بالفارسي والعربي"[12]. وقال الخزرجي في (تاريخ اليمن): "إنه لم يزل في ازدياد من علوِّ الجاه والمكانة ونفوذ الشفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار"[13].
    وقال المقري: "هو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفنٍّ فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، وهم: الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين ابن المُلقِّن في كثرة التصانيف وفن الفقه والحديث، والشيخ شمس الدين الفناري في الاطِّلاع على كل العلوم العقلية والنقلية والعربية، والشيخ أبو عبد الله بن عرفة في فقه المالكية بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي

    (الفيروزآبادي) في اللغة"[14].
    وقال عنه أيضًا: "كان كثير العلم والاطلاع على المعارف العجيبة، وبالجملة كان آية في الحفظ والاطلاع والتصنيف"[15]. وقال عنه الزركلي: "كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير"[16].

    وفاته
    تُوُفِّي في زَبِيد باليمن سنة 817هـ/ 1415م[17].
     

  8. أبـوســـميه

    أبـوســـميه مسؤول سابق
    مسؤول سابق


    سيبويه

    اسمه ومولده
    هو عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بشر، إمام النحاة، حُجَّة العرب، وأول من بسط علم النحو، وصاحب (الكتاب) حجة العربية ودستورها، وهو فارسي الأصل[1]. وُلِد عام أربعين ومائة من الهجرة (140هـ) على الأرجح[2]، وذلك في مدينة البيضاء من أرض فارس، وهي أكبر مدينة في إِصْطَخْر على بُعد ثمانية فراسخ من شيراز[3]. قَدِم البصرة وهو غلام صغير، فكان منشؤه بها[4].

    نشأته وحياته
    من أرض فارس قدم سيبويه إلى البصرة، حيث مراكز العلم ومنابر العلوم، وقد كان شابًّا حسنًا، جميلاً نظيفًا، مفرط الذكاء إلا أنه كان فيه حُبْسة في عبارته.
    ومع حداثة سنِّه فقد انطلق يصحب أهل الحديث والفقهاء حيث ميله ومراده، فكان يستملي على حمَّاد بن سلمة في حلقته ليكتب الحديث ويرويه، ويشاء الله أن يكون لغير ما طلب وما أراد أولاً؛ فقد سأل يومًا حماد بن سلمة فقال له: أحدَّثك هشام بن عروة عن أبيه في رجلٍ رعُف في الصلاة، بضم العين؟ فقال له حماد: أخطأت، إنما هو رعَف بفتح العين. فانصرف سيبويه إلى الخليل، فشكا إليه ما لقيه من حماد. فقال له الخليل: صدق حماد! ومثل حماد يقول هذا. ورعف بضم العين لغة ضعيفة[5].
    ثم يتكرر الموقف مرة أخرى، فبينما هو يستملي على حماد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذتُ عليه ليس أبا الدرداء". فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء بالرفع. وقد خمَّنه اسم ليس. فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما (ليس) ها هنا استثناء. فكان أن أَنِف سيبويه من ذلك وقد أخذ قراره، فقال: لا جرم لأطلبَنَّ علمًا لا تلحنني فيه أبدًا. فطلب النحو، ولزم الخليل[6].

    شيوخه
    من أشهر شيوخه حماد بن سلمة، وبعد قراره الأخير هذا عمد سيبويه إلى إمام العربية وشيخها الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ لينهل ويتعلم منه عن حبٍّ وعزيمة وقوة إرادة، فصار يلازمه كالظلِّ حتى لقد بدا تأثره الكبير بشيخه هذا على طول صفحات كتابه الوحيد وعرضه في رواياته عنه، واستشهاداته به.
    ولم يكتف سيبويه بشيخه الخليل بن أحمد في علوم النحو والعربية، بل إنه استزاد من ذلك شأن أقرانه في ذلك الوقت، فتتلمذ أيضًا على يد أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر، وعيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري النحوي، وغيرهم[7].

    تلامذته
    لأن القدر لم يمهله طويلاً حيث تُوُفِّي في ريعان شبابه، فلم يكن لسيبويه تلاميذ كثيرون، وكان من أبرز من تتلمذوا على يديه ونَجَم عنه من أصحابه: أبو الحسن الأخفش، وهو الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وقُطْرب وهو أبو عليٍّ محمد بن المستنير، ويقال: إنه إنما سمِّي قطربًا لأن سيبويه كان يخرج فيراه بالأسحار على بابه، فيقول له: إنما أنت قطرب ليل. والقُطْرب: دويبة لا تزال تدبُّ، ولا تفتر[8].
    وقال أبو العباس المبرد: "كان الأخفش أكبر سنًّا من سيبويه، وكانا جميعًا يطلبان. قال: فجاءه الأخفش يناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد لا لغيره. فقال له سيبويه: أتراني أشكُّ في هذا"[9].

    آراء العلماء فيه
    قال عنه ابن عائشة: "كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابًّا جميلاً نظيفًا، قد تعلق من كل علم بسببٍ، وضرب في كل أدب بسهمٍ، مع حداثة سنِّه وبراعته في النحو"[10].
    وحدَّث أحمد بن معاوية بن بكر العليمي، قال: "ذُكر سيبويه عند أبي، فقال: عمرو بن عثمان قد رأيته وكان حدث السن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبتُ مَن حمل عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حُبْسة، ونظرتُ في كتابه فرأيت علمه أبلغَ من لسانه"[11].

    آراء العلماء في مؤلفاته
    ذكر صاعد بن أحمد الجياني من أهل الأندلس في كتابه (طبقات الأمم) قال: "لا أعرف كتابًا أُلِّف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها: المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني: كتاب أرسطوطاليس في علم المنطق، والثالث: كتاب سيبويه البصري النحوي؛ فإن كل واحد من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنِّه شيء إلا ما لا خطر له"[12].
    وقال أبو جعفر: "لم يزل أهل العربية يفضلون كتاب سيبويه"[13]. وقال محمد بن يزيد‏:‏ ‏"لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه؛ وذلك أن الكتب المصنَّفة في العلوم مضطرة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج مَنْ فَهِمَه إلى غيره‏"[14].

    منهج سيبويه في الكتاب
    الكتاب يقع في أكثر من تسعمائة وعشرين صفحة، وقد جرى التقسيم فيه إلى أبواب، ولا نجد فيه كتبًا ولا فصولاً، وسيبويه يُكثِر من الأبواب للمبحث الواحد بحسب تنوع ما يجري فيه البحث.
    ويقع الكتاب في جزأين: الأول في مباحث النحو، والثاني في مباحث الممنوع من الصرف ومباحث النسب والإضافة ومباحث التصغير وبقية مباحث التصريف، ويحوي إلى مباحث الصرف والنحو مباحث العربية عامة؛ ففيه المجاز والمعاني وضرورات الشعر وإنشاده وتعريب الكلمات الأعجمية، وفيه أيضًا قدر وافٍ من مباحث الأصوات العربية[15].

    وفاته
    أغلب الظن أن وفاة سيبويه لم تكن طبيعية؛ فإنه حين علم (بعد مناظرة الكسائي) أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، خرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس ولم يعرج على البصرة، وأقام هنالك مدةً إلى أن مات كمدًا، ويُروى أنه ذَرِبتْ معدته فمات. وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلافٌ عريض، والراجح من الأقوال أن ذلك كان في سنة ثمانين ومائة من الهجرة (180هـ)[16].
    وذكر الخطيب أن عمره كان اثنتين وثلاثين سنة، ويقال: إنه نَيَّف على الأربعين سنة. وهو الصحيح؛ لأنه قد روى عن عيسى بن عمر، وعيسى بن عمر مات سنة تسع وأربعين ومائة، فمن وفاة عيسى إلى وفاة سيبويه إحدى وثلاثين سنة، وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل، ولا يعقل حتى يكون بالغًا، والله أعلم[17].
    وفي مرضه الذي تُوُفِّي فيه، قيل إنه تمثَّل عند الموت بهذين البيتين:
    يُؤَمِّل دنيا لتبقي لـه *** فمات المؤمِّـلُ قبل الأمـلْ
    حثيثًا يروِّي أصولَ النخيل *** فعاش الفسيلُ ومات الرجلْ[18]
    ويقال: إنه لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فدمعت عين أخيه، فاستفاق فرآه يبكي فقال:
    أخيين كنَّا فَرَّق الدهرُ بيننا *** إلى الأمدِ الأقصى ومن يأمنُ الدهرا[19]
    وقال الأصمعي: قرأت على قبر سيبويه بشيراز هذه الأبيات، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:
    ذهب الأحبة بعد طول تـزاورٍ *** ونأى المزار فأسلمـوك وأقشعـوا
    تركوك أوحش ما تكونُ بقفـرة *** لم يؤنسوك وكـربة لم يدفعـوا
    قَضَى القضاءُ وصرتَ صاحبَ حفرةٍ *** عنك الأحبة أعرضوا وتصدَّعوا[20].

    عفواً ، يجب عليك التسجيل اولاً لمشاهدة الروابط . [​IMG]
     

  9. akram0938

    akram0938 مسؤول سابق
    مسؤول سابق

    30,727
    5,495
    6,731

    عفواً ، يجب عليك التسجيل اولاً لمشاهدة الروابط .
     

  10. الغريب

    الغريب Guest


    شكرا لك وبارك الله فيك
     


  11. شكراً على المعلومات القيمة
     


  12. [b][font=arial][font=decotype naskh variants][color=teal]شكرا لك اخى
    وبارك [color=red]الله [/color]فى جهودك
    وأسال[color=red] الله[/color] لك التوفيق دائما
    ونفعنا [color=red]الله[/color] وأياك بما تقدمه[/color][/font][/font][/b]
     

من يضع الردود العشوائية مثل Merci Merci Merci Merci Merciiiiiiiiiiiiiiii و المواضيع الإشهارية و سبام vbvghvrreoijnjnbjbbhvbbhvhb
سوف يتم تنبيه العضو و اذ لم يطبق ذالك يتم حظر العضوية مباشر دون الرجوع اليها !