1. تجديد سيرفرات G-SHARE

  2. سيرفر الاخ ابو منى

  3. سيرفر سيسكام Samir04 سيرفر العرب

  4. متوفرة كنال سات و كنال بليس في سيسكام المدفوع الأخ ربروب

  5. سيسكام المدفوع الأخ توفيق سات

مناسك الحج: أحكام ، شروط ، الحج

الذين قاموا بمشاهدة هذا الموضوع

  1. akram0938

    akram0938 مؤسس المنتدى الإدارة

    10,723
    1,367
    1,731

    [​IMG]

    [​IMG]



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيها الإخوة المؤمنون ؛ بمناسبة قرب موسم الحجِّ سنبدأ الحديثَ عن بعض أحكام الحجِّ، وسأخصِّص درسًا للإخوة الأكارم الذين يزمعون أداء فريضة الحج هذا العام، وفي آخر الدرس سأحدِّد هذا الدرس.


    تعريف الحج:

    الحج - بفتح الحاء وبكسرها - فلك أن تقول حَج وحِج، الأول اسمٌ والثاني مصدر حَجَّ يحُجُّ حِجًّا، وهو القصد إلى معظَّمٍ، أي أن تتَّجه إلى مكان عظيم، أو إلى شيء عظيم، هذا معنى الحجِّ في اللُّغة، وأما تعريف الحج شرعًا، فهو زيارة بقاع مخصوصة، في زمن مخصوص، بفعلٍ مخصوص، والمرادُ بالزيارة الطَّوافُ حول البيت العتيق، الكعبة المشرَّفة، و الوقوف بعرفة، و أما البقاع المخصوصة فهي الكعبة و عرفة و أما الزمن المخصوص ففي الطَّواف من طلوع فجر يوم النحر إلى آخر العمر، و في الوقوف بعرفة من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، إذًا هو زيارة بقاع مخصوصة، في زمن مخصوص، بفعل مخصوص.


    مكانة الحج في الإسلام:

    الحجُّ أيها الإخوة ركنٌ كبيرٌ من أركان الإسلام، فرضه اللهٌ تعالى على المستطيع فإذا كان الإنسانُ فقيرًا و بحث عن مبلغ يستقرضه، نقول له: لا، لا حجَّ عليك، الحجُّ على المستطيع، الحجُّ أحد أركان الإسلام الخمسة، و لكنَّ اللهَ سبحانه تعالى فرضَه على المستطيع أي إنَّ أغلبَ الظنِّ أنَّ المستطيع مشغولٌ بماله، وكأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول له: تعالَ إليَّ ودعْ بيتَك الفخمَ، وتجارتَك العريضةَ، ومكانتك المرموقة وتعالَ إليَّ، فيقول الحاجُّ: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك.
    قال تعالى:

    ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[سورة آل عمران]


    ((وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؛ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) [رواه البخاري]

    فأركان الإسلام ؛ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت، أمَّا إذا قلنا: بنِيَ الإسلامُ على خمسٍ، شهادةِ - بالكسر - فهي بدل مِن خمسٍ، أن لا إله إلا الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان وحجِّ البيت.
    الحجُّ فرضُ عينٍ، وكلُّكم يعلم أنَّ هناك فروضُ كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكلِّ، كصلاة الجنازة، ولكنَّ الحجَّ فرضُ عين على المستطيع، يُكَفَّرُ جاحدُه، ويُفسَّق تاركُه وهو فرضٌ في العمُر مرَّةً واحدةً، لحديث الأقرع بن حابس،

    (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَطَبَنَا يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ، قَالَ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، أَوْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ))[رواه أحمد]

    وقد انعقد إجماعُ المسلمين أنه واجبٌ على الفور، من حين الاستطاعة، و الدليل قول النبيَِ عليه الصلاة و السلام عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ

    ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ، يَعْنِي الْفَرِيضَةَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ))[رواه أحمد]

    وقد ثبتتْ فرضيةُ الحجِّ بالكتاب الكريم، قال تعالى:

    ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) ﴾[سورة آل عمران]

    ولقول الله عزوجل:

    ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾[سورة الحج]

    فلا يعرف معانيَ هذه الآيات إلا من ذاق و أدَّى هذه الفريضة بإخلاص و بصدق.
    والآية الثالثة التي تؤكِّد فرضية الحجِّ قولُه تعالى:

    ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[سورة البقرة]

    إذًا الحجُّ ثبت بنص القرآن الكريم، ونصُّ القرآن الكريم كما تعلمون قطعيُّ الثبوتِ وهذه الآيات قطعية الدِّلالة، وبالسُّنة المطهَّرة، لقول النبيّ عليه الصلاة و السلام فيما رواه أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ فقال:

    ((أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ))[رواه مسلم]

    لَوَجَبَتْ - أي في كلِّ عام - إذًا هو في العمر مرة واحدة، ودائمًا الذي سكت عنه الشَّرعُ فيه حكمةٌ بالغةٌ، قال عليه الصلاة و السلام: إن الله أمركم بأشياء، ونهاكم عن أشياء وسكت عن أشياء" فسكوتُ الشارع الحكيم عن بعض الأمور توسعةٌ على المسلمين، و الذي أمر به الشرعُ لا يقلُّ حكمةً عن الذي سكت عنه، والشرعُ حكيم فيما أمر به، وفيما نهى عنه، وفيما سكت عنه، فإن الله كتب عليكم الحج، ولم يحدِّد النبيُّ ، بل أطلقه، وسكت النبيُ الكريم، قال: كل عام مرة، ثانية، بقي ساكتًا، ثم قال أفي كل عام ؟ فقال عليه الصلاة و السلام: لو قلتُ نعم لوجبت - أي في كلِّ عام - و لما استطعتم، لأنّ هذا فوق طاقتكم، و في رواية أخرى لهذا الحديث حينما قال: أفي كل عام فقال عليه الصلاة و السلام: لو قلتها لوجبت، و لو وجبتْ - أي في كل عام - لم تعملوا بها و لن تستطيعوا أن تعملوا بها " الحج مرة، فمن زاد فهو تطوُّع.
    وهناك حديثٌ آخر عامٌّ يبيِّن أنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يكثر من السؤال إذا سكت النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن بعض الأشياء

    (( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كُلِّ عَامٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ))[رواه النسائي]

    أي دعوني ما دمتُ قد سكتُّ عن شيء، فلا تسألوني عنه، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ... وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، انظُرْ فإنَّ الاستقامة مطلقةٌ، والأعمالُ الصالحة فبمقتضى الاستطاعة، أمَّا المنهياتُ فيجب أن تُترَك كلِّيًّا، وإلا وقع الحجابُ بين العبد وبين الله عزوجلَّ أمَّا المأموراتُ المندوباتُ فنأخذ منها بقدر ما نستطيع، وقد أجمعت الأمَّةُ الإسلامية على فرضية الحجِّ على المستطيع، كما أجمعت على فرضية الصلاة و الصوم والزكاة، إذًا فرضيةُ الحجِّ ثبتت بالكتاب والسُّنة و الإجماع، و الكتابُ والسُّنةُ أصلانِ كبيران من أصول التشريع والإجماعُ والقياسُ أصلانِ فرعيانِ منه.
    تحدَّثتُ يوم الجمعة في الخطبة عن فوائد الحجِّ، وكيف أن الحجًّ رحلة إلى الله عزوجل، وتفريغٌ لهذه النفس من مشاغل الدنيا، وتسريعٌ في إقبال العبد على الله عزوجل ورحلة تدريب على الرحلة الأخيرة إلى الدار الآخرة، رحلةٌ قبل الأخيرة، فهي رحلةٌ إلى الله عزوجل، بل انسلاخٌ من الأقنعة الكاذبة التي نتوهَّمها كقناعِ المال، هذا القناعُ ُيخلَع عنك في الحجِّ، وقناعُ المكانة الاجتماعية، وقناعُ المُتَع التي تمارسها و أنت في بلدك، هذه الأقنعة كلُّها ستسقط عن صاحبها في الحجِّ، كأنَّ الحجَّ يعيدك إلى حجمك الحقيقي، وكأنَّك هناك تتفرَّغ إلى الإقبال على الله عزوجل، من أجل أن تذوق طعمَ قربه، وعلى كلٍّ ؛ كان الحديث يوم الجمعة طويلًا عن فوائد الحجُّ، وقد غلبَ على هذا الدرس الطابعُ الفقهي، لذلك ننتقل إلى شروط وجوبه.
    الحجُّ فرض عين على المسلم، فمن شروط وجوبه الإسلام، فلا يجب الحجُّ على غير المسلم، فلو أنّ إنسانًا كافرًا كان مستطيعا ماليًا أو أنّ إنسانًا كافرًا غنيًّا أسلم ثم افتقر فرَضًا هل عليه الحجُّ ؟ لا، لأنه لمَّا كان كافرا مستطيعًا لم يكن محلَّ الخطاب، فهذه نقطةٌ مهمَّةٌ، لأنّ من شروط الحجِّ الإسلام، فلا يجب على غير المسلم، لعدم خطاب الكافر بالفروع، و من شروطه العقلُ، فلا يجب على المجنون لأنه ليس أهلا للتَّكليف، لفقده أداةَ فهم الخطاب ومعرفة الأحكام، وإذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، والبلوغ فلا يجب على الصغير لأن التكليفَ يبدأ بالبلوغ، لكنَّك ترى في الحجِّ أطفالاً صغارا يرتدون ثياب الإحرام و يحُجُّون مع آباءهم ، فهذا من قبيل التدريب والتَّبرُّك، ولكنَّ الصغير ليس عليه الحجُّ، والحرِّيةُ، فلا يجب الحجُّ على العبد ويقاس على العبودية مَن فَقَدَ حرِّيته، كَمَن كان مسجونا، فليس عليه الحجُّ، فلا يجب على العبد لأن الحجّ فريضةٌ بدنيَّة مالية، والعبدُ وما ملكتْ يده لسيِّده.
    فلو حجَّ الصبيُّ، أو حجَّ العبدُ مع سيِّده وقع حجُّهما نفلاً، لا فريضةً، بمعنى أن الصبيَّ إذا كبُر عليه حجَّة الإسلام، و أن العبد إذا أعتِق عليه حجَّة الإسلام، ويُشترط العلمُ بفرضية الحجِّ لمن أسلم بدار الحرب، أي إن الإنسان إذا أسلم حديثًا في دار الحرب - نحن عندنا ثلاثُ دور، دارُ الإسلام، فرجل نشأ في بيئة مسلمة، نشأ في الشام، و يقول: واللهِ أنا لا علمَ لي بالحجِّ، هذا كلامٌ مرفوض، أو إنسان نشأ في بلاد إسلامية وليس عنده علم بأن الحجَّ قد فُرِض عليه، هذا كلام مرفوض أيضًا، هذه دار الإسلام فلا جهل فيها، وعندنا دار الحرب، و عندنا دار الكفر، و ثمَّة احتمال أن يسلم الإنسانُ في أثناء الحرب، في أثناء الفتوح، أسلم وقد ودخل في أشهر الحج، هذا ليس علمه بفرضية الحج قائمًا، ومن شروط الحج العلمُ بفرضية الحج لمن أسلم بدار الحرب، أما مَن أسلم بدار الإسلام فلا يُشترَط العلمُ، بل يُعدُّ وجودُه في دار الإسلام علمًا، وما دمتَ في دار الإسلام فأنت قطعًا تعلم أن الحج فرضٌ.
    وتأسيسا على هذه الأفكار أقول: يجب الحجُّ على العبد بعد العتق، وعلى الصبيِّ بعد البلوغ، و على المجنون بعد أن يعود إلى عقله، دخل المِصحَّ فصحا وجب الحجُّ عليه، وقد كان ساقطًا عنه حينما كان عبدا أوصبيًّا أو مجنونا، والنقطة الدقيقة أنَّ الفقيرَ إذا حجَّ يقع حجُّه عن الفريضة، فإذا كان الإنسان متشوِّقًا كثيرا، وكان فقيرا وجمَّع قرشين وأعانه الناسُ ذهب إلى الحجِّ، هل نقول له: هذه حجَّةٌ نافلةٌ ؟ لا، فإذا حجَّ الفقيرُ يقع حجُّه عن الفريضة، أي لا تلزَمه حَجَّةٌ أخرى، و لو أصبح فيما بعدُ غنيًّا، هكذا الحكمُ الشرعي.
    ومن شروط الحجِّ أن يُؤدَّى في الوقت المناسب، ووقتُ الحجِّ هو أشهر الحجِّ، فمن ملك مالًا و صرفه في غير أشهر الحجِّ، كَمَن كانت لديه خمسون ألف ليرة، واشترى بها دكَّانا في غير أشهر الحجِّ، فلا حجَّ عليه، ومن ملك مالاً وصرفه قبل حلول أشهر الحجِّ فلا شيء عليه و أشهرٌ الحجِّ هي ؛ شوَّال وذو القعدة والعشرُ الأولُ من ذي الحِجَّة، هذه أشهر الحجِّ قال تعالى:

    ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾[سورة البقرة]

    ويجب أن يُؤدَّى في الوقت المناسب ويجب العلمُ به وبفرضيته والحريَّة والعقلُ والبلوغُ والإسلام هذه شروط الوجوب.
    وبقيت الاستطاعة، ومعناها القدرةُ، ولها وجوهٌ كثيرةٌ لا بدَّ من تحقُّقها، لأنها تكون بالمال وبالنفس وبالطريق، فأما الاستطاعة بالمال فتكون بمُلك الزاد، أي أن تملك نفقات الطَّعام والشراب طيلةَ أيام الحجِّ، و يجب أن تعلم كم يكلِّف طعامُ الحاجِّ، وأن تملك قيمة الزاد وأن تملك الراحلةَ أو أجرتَها، والآن ثمن ركوب الطائرة، ذهابًا وإيابًا، وبعضُ العلماء قالوا: من كان غيرَ مستطيعٍ أن يركب الباخرة و لم يملك ثمن ركوب الطائرة فليس مستطيعاً، فيجب أن يملك الزاد و الراحلةَ ذهابا وإيابًا، ويجب أن يملك نفقاتِ السكنى أيضًا، كلُّ هذه النفقات يجب أن تكون زائدة عن نفقات سكنه، وأثاث بيته وثيابه ونفقات عياله الملتزِم بالإنفاق عليهم إلى حين عودته، ومصروف البيت وأجرته، والطعام و الشرابُ، ونفقات الكهرباء والماء، فكما كان هذا البيتُ في وجوده يجب أن يستمر بعد سفره للحج، وهذه النفقات بالحدِّ الوسط، وليس بالحدِّ الأعلى، من غير إسراف و لا تقتير، فهذه هي الاستطاعة التي تشترط لوجوب الحجِّ، فمن لم يملك هذا المال الذي يمكّنه من الحجِّ فلا يجب عليه الحجُّ.

    أما الاستطاعة بالنفس فهي أن يكون المكلَّف صحيح البدن و الأعضاء، فلا يجب الأداءُ مع العجز الدائم كالمُقعَد، ومقطوع اليد و الرِّجل، ولا على الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، ولا على الأعمى ولو وجد قائدًا، و لا على المريض الذي لا يُرجَى بُرْؤُه كلُّ هؤلاء لا يستطيعون الحجَّ، لا لعلَّة المال، بل لعلَّة الصحَّة.

    وأما الاستطاعة بالطريق، فيجب أن يكون الطريق آمنًا بغلبة السلام، فإن خاف على نفسه القتل أو خاف على ماله السرقة فلا يجب عليه الأداء، فوجب عليه الحجُّ و سقط عنه الأداءُ، وهناك أحكامٌ أخرى سوف نراها بعد قليل.

    قال العلماءُ: والذين يشعرون بدُنُوِّ أجلهم قبل أن يؤدُّوا حجَّ الفريضة بسبب عدم أمن الطريق، أو بسب عدم صحَّة البدن لعجزهم، كالمُقعد الذي لا يستطيع المشيَ، أو الشيخ الهرِم أو الأعمى، وغيرهم ممَّن لا يتمكَّنون من أداء الحجِّ بأنفسهم، فيجب عليهم الإيصاءُ بالحجِّ عنهم بعد الوفاة، فما دمتَ تملك المالَ فقد وجب عليك الحجُّ، فعندنا شروط الوجوب، وعندنا شروط الأداء، وما دمتَ غيرَ مستطيع لصحَّتك سقط عليك الأداءُ بذاته، ووجب عليك أن تجهِّز حاجًّا آخر، أو أن توصي بأن يُحجَّ عنك.


    شروط أداء الحجِّ:

    أمَّ‍ا الآن فمع شروط الأداء، أوَّلاً: سلامة البدن من الآفات المانعة من القيام بما لا بدَّ منه في السفر، فلا يجب الأداءُ على المُقعَد و الأعمى وإن وجد قائدًا، والشيخُ الكبير الذي لا يثبُت على الراحلة.

    ومن شروط أداء الحجِّ زوالُ المانع الحسِّي من الذهاب إلى الحجِّ، كالحبس، والمنع من السفر، أو الخوف، أو عدم وجود وسيلة للسفر، ومن شروط الأداء أمنُ الطريق، ومن شروط الأداء عدمُ قيام العِدَّة للمرأة، من طلاق بائن، فالمرأةٌ المطلّقةٌ وهي في العِدَّة ليس عليها حجٌّ، ولكن ليس عليها أداؤه في هذا العام، هذا فرق بين شروط الوجوب و شروط الأداء، أو أنها مطلَّقةٌ طلاقًا رجعيًّا و هي في العِدَّة، أو أنها معتدَّةٌ من وفاة زوجها، فجميع أنواع العِدَّة تُسقِط أداءَ الحجِّ لا فرضِيتَه، لأن الله تعالى نهى المعتدَّاتِ عن الخروج من بيوتهن لقوله تعالى:

    ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1) ﴾[سورة الطلاق]

    أما بالنسبة إلى المرأة فلا بدَّ من أن تخرج - اِنتبِهوا جيِّدًا - فلا بدَّ أن تخرج مع زوجٍ أو مَحرَمٍ تأبيدًا، وليس محرما مؤقَّتًا، بل على التأبيد، فهناك أشخاصٌ كزوجِ أختك لا يجوز أن يتزوجها، ولكنْ إذا ماتت أختُها يحقُّ لها الزواجُ به، فهذا مَحرمٌ مؤقَّتٌ، فلا يجوز أن تخرج المرأةُ إلى الحجِّ إلا مع زوج أو مَحرم على التأبيدِ

    (( لحديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ))[رواه البخاري]

    هذا ليس للحجِّ فقط، بل لأيِّ سفرٍ، وهناك قصصٌ كثيرة تثبت حكمة الشرع في هذا النهي، فإذا سافرت المرأةُ وحدها كان الطمعُ فيها كبيرًا.
    فإذا وجدت المرأة محرمًا ؛ وليكن أخاها ؛ لم يكن للزوج أن يمنعها لحجِّ الفرض وله أن يمنعها لحجِّ النفل، فالزوجُ لا يحِقّ له أن يمنع امرأتَه من أن تحُجُّ حجَّ الفرض إذا وجدتْ مَحرمًا.


    تعريف المَحرَم:

    وتعريف المَحرم بالضبطِ ؛ من لا تجوز مُناكحتَه على التأبيد، لنسب أو رضاعٍ أو مصاهرة، وقد منع العلماءُ أن تسافر المرأةُ مع أخيها من الرضاعة لغلبة الفساد، ويؤكِّد الفقهاءُ أنه لا يجوز للأخ أن يخلُوَ بأخته من الرضاع لغلبة الفساد.
    وهناك شروط ثالثة، شروط الوجوب تحدَّثنا عنها، وشروط الأداء تحدَّثنا عنها وبقيَ شروطُ صحَّة الأداء، وهي ؛ الإسلام و العقل و الإحرامُ بالحجِّ، فالإحرامُ من شروط الحجّ في المذهب الحنفي، و الفرقُ بين الشرط والركنأنّ، الشرط ليس داخلا في صُلب الفريضة، بل يجب أن يُؤدَّى قبل الشروع في الفريضة، والمرادُ بالإحرام النيةُ مع التلبيةِ، فهو بالنسبة للحجّ كالنية للصلاة، والوقت المخصوص أشهرُ الحجِّ، و المكان المخصوص الميقاتُ المكاني، أيْ الأماكنُ التي حدَّدها الشارعُ الحكيم لأداء فريضة الحجِّ.


    بعضُ الملاحظاتِ المتعلِقة بفرضية الحجِّ:

    إذا حجَّ الكافرُ هو كافر ؛ و لماذا كفر؟ إمَّا أنه نطق بكلمة الكفر، فلو قال إنسانٌ: لا أرى الصلاةَ واجبةً، وهذه الأشياءُ قديمةٌ ولا تناسب هذا العصرَ فقد كفر، وإذا أنكر الإنسانُ أحدَ الفروض فقد كفر، وإذا أنكرها قولاً أو عملاً فقد كفر، فإذا حجَّ الكافرُ ثم أسلم فلا يُغنِي حجُّه ذاك عن حَجَّة الإسلام، وهي غيرُ مقبولة، وأحيانا الإنسان بحكم عمله التعاقدي في السعودية مع أصدقاءَ ويتحرِج فيحُجَّ معهم، أما هو الحجُّ عنده فغير راضٍ به إطلاقًا، بل شعائره أشياء لا قيمة لها، غيبيات وخرافات، فحجَّ معهم وهذا اعتقادُه في الحجِّ فهو كافر، فإذا أسلم فلا تُغني حجَّتُه هذه عن حَجَّة الإسلام.

    وإذا حجَّ الصغيرُ ثم بلغ لا يُغني حجُّه في صِغره عن حَجَّة الإسلام أيضًا، وإذا ارتدَّ المسلمُ سقطتْ أعمالُه الصالحةُ كلُّها بارتداده، و منها الحجُّ، فإذا عاد و أسلم وجب عليه حجُّة الفريضة، لأن وقتَ الحج هو العمُر، وهو باطل، و الارتدادُ هو الخروج عن الإسلام، و يكون بالاعتقاد، كاعتقاد شريك لله تعالى، أو إنكار اليوم الآخر، أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة و الحجِّ أو نحو ذلك، أو أن ينطق بكلمة الكفر، فإذا كان ثمَّة تشدُّد، وسبَّ الإنساُنُ الدينَ فهذا ارتداد، ويُستتابُ، فإن لم يتُبْ تطلّق امرأتُه و تصادر أموالُه، لأن هذه كلمة الكفر.

    وإذا حجَّ الفقيرُ بمالٍ أُدِّيَ إليه، أو وُهِب له، أو استدانه، صحَّ حجُّه، هذه نقطةٌ مهمَة، فباعتبارك فقيرا، و لستَ مستطيعا، و حججْت فحجُّك باطل !! لا، هذا غلط، فإذا حجَّ الفقيرُ بمالٍ أُدِّيَ إليه أو وُهِب له أو استدانه صحَّ حجُّه و سقط عنه حجُّ الفريضة.
    ومن كان له بيتٌ لا يسكنه، وهو زائد عن حاجته وجب عليه أن يبيعه ليحجَّ، أمَّا لو كان له بيتٌ كبيرٌ لا يحتاج إليه كلِّه، فلا يجب عليه بيعُ بعضه، والشرعُ لم كلَّفك بذلك.

    ويُكرَه الخروجُ إلى الحجِّ في حقِّ المدين، الذي عليه ديْن، إذا لم يكن له مالٌ يقضي به الديْنَ، إلا أن يأخذ إذنًا من الدائن، فيستأذنه، كأن يكون شخص له معك مبلغ ضحمٌ، وذهب إلى الحجِّ، تنهاه قبل أن يحُجَّ حتّى يؤدِّي ما عليه من دين، و قد يكون الدائن راقيا كثيرا، وأَذِن فلا مانع في ذلك، فالمدين لا يصحُّ حجُّه إلا إذا أذِن له الدائنُ.


    حكم الحج من حيث الفور و التراخي:

    آخرُ موضوع نعالجه ؛ هل يجب الحجُّ على الفور أم على التراخي ؟ مذهب أبي حنيفة و أبي يوسف ؛ تلميذه الأول و الإمام مالك و المُزَني من الشافعية تلميذ الشافعي ر حمهم الله تعالى أنَّ الحج يجب علىالفور، و هو الإتيان به في أول أوقات الإمكان و في أول سنة من سنين الاستطاعة، فإن أخَّره بلا عذر سنين يُفسَّق ويأثم، وتُردُ شهادتُه إلا إذا أدَّى ولو في آخر عمره فإن الإثم يرتفع، أما إن كان تأخيرُه لعذر فشيء آخر.

    وما الدليلُ ؟ ما دليل وجوب الفور ؟ هو الاحتياطُ، لأن الحجَّ لا يجوز إلا في وقت معيَّن واحد من السَّنة، و الموتُ يقع في شكل غير نادر في السنة، واحتمال موت الإنسان قبل أن يحُجَّ واقعٌ، إذًا الدليل هو الاحتياط، فتأخيره بعد التمكُّن تعريضٌ له على الفوات، فيكون التأخيرُ مكروها كراهة تحريمية، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

    ((تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ))[رواه أحمد]

    هذا مذهب الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك والمزني، أما الإمام الشافعي ومحمد بن يوسف التلميذ الثاني لأبي حنيفة رحمهم اللهُ تعالى أنه يجب على التراخي لا على الفور، لأن الحج يُؤدَّى في العمر، و العمر كلُّه وقتٌ للحج، كالوقت في الصلاة يصح تأخيرُها عن أوَّل الوقت، إلا أنه إذا أخَّر بعد التمكُّن حتى مات ولم يحُجَّ فقد أَثِم، وفي كل الأحوال يُفضَّل التعجيلُ للحج، وسوف نأخذ في درس قادم إن شاء اللهُ تعالى بعض فروض الحج وبعض سننه وواجباته.

    و الأن إلى قصة التابعي الأحنف بن قيس، نحن في أوائل خلافة الفاروق نضَّر اللهُ وجهه، وها هم هؤلاء الأنجاد الأمجاد رهطُ الأحنف بن قيس من بني تميم يمتطون صهوات الخيول الصافنات، و يتقلَّدون الرِقاق المُرهفَات، و يرحلون عن منازلهم في الأحساء ونجد ميمِّنين وجوههم شطرَ البصرة، يريدون الانضمام إلى جموع المسلمين المحتشدين هناك تحت قيادة عتبة بن غزوان لقتال الفرس جهادا في سبيل اللهِ، و طلبًا لما عند الله من حسن الثواب، و كان معهم فتاهم الأحنف بن قيس، وذات يوم تلقَّى عتبةُ بن غزوان كتابًا - قائد الجيش - من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه يأمره أن يرسل إليه عشرةً من صُلَحاء عسكره وأحسنهم بلاءً في القتال، ليقف منهم على أحوال الجيش، و ليتملَّى مما عندهم من غير مشورة، فصدع عتبةُ بالأمر و جهَّز عشرة من صفوة عسكره، وجعل بينهم الأحنف بن قيس ووجَّههم إلى المدينة، و لمل مثُل رجالُ الوفد بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحَّب بهم و أدنى مجالسهم، ثم سألهم عن حوائجهم و حوائج عامَّة الناس، فنهضوا إليه تِباعًا وقالوا: أمَّا عامَّةُ الناس فأنت وليُّهم، لا علاقة لنا بهم، وصاحبُ شؤونهم، أما نحن فنتكلَّم عن خاصَّة أنفسنا، ثم طلب كلٌّ منهم حاجته التي تعنيه، وكان الأحنفُ بن قيس آخر الرجال كلامًا، لأنه كان أصغرَهم سنًّا، فلما جاء دورُه في الكلام حمِد اللهَ وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين إن جند المسلمين الذين حلُّوا في مصرَ قد نزلوا في الخُضرة والنُّضرة، والخصب من منازل الفراعنة، وإن الذين حلُّوا في ديار الشام قد نزلوا في الرغد والثمار والرياض من منازل القياصرة، وإن الذين حلُّوا في ديار الفرس قد نزلوا على ضفاف النهر العذبة، والجنان الوارفة من منازل الأكاسرة، لكنّ قومنا الذين حلّوا في البصرة قد نزلوا في أرض هشاشةٍ نشاشةٍ -الهشاشة الأرض اللينة المُستَرخِية، والنشاشة المالحة- لايجِفُّ ترابُها ولاينبُت مرعاها، أحدُ طرفيها بحرُ قُجاجٌ وطرَفُها الآخرُ فَلاةٌ قفرٌ - وصفٌ دقيق جدًّا - فأَزِل يا أمير المؤمنين ضرَّهم، وأنعِش حياتهم ومُرْ واليَك على البصرة أن يحفر لهم نهرًا يستعذبون منه الماءَ، ويسقون الأنعامَ والزَّرعَ وتحسُن حالُهم، ويصلُح عِيالُهم، وترخُص أسعارُهم، ويستعينون بذلك على الجهاد في سبيل اللهِ فنظر عمرُ إليه في إعجاب و قال: هلاَّ فعلتم مثل ما فعل هذا، الجماعة قالوا: أما عامة الناس فأنت وليُّهم، فقال سِّدنا عمرُ: إنه واللهِ لسيِّدٌ، هذا سيِّد، لأن سيِّد القوم خادمُهم، إنه و اللهِ لسيِّد إذا كان الإنسانُ في مرتبة عُليا في مجتمعه، فعليه تبِعاتٌ كثيرةٌ، عليه أن يخدم الناس جميعا ليكون حقًّا سيّدَهم، ثم قدَّم إليهم جوائزَهم، وقدَّم للأحنف جائزته فقال: واللهِ يا أمير المؤمنين ما قطعنا إليك الفَلَواتِ و لا ضربْنا إليك أكبادَ الإبل في البُكور والعَشِياتِ لنيل الجوائز، وما ليَ من حاجة لديَّ إلا حاجةَ قومي التي ذكرتُ، فإن تقضِها لهم تكنْ قد كفيتَ ووفّيتَ، فازداد عمرُ إعجابًا به و قال: هذا الغلامُ سيِّد أهل البصرة، و لما انفضَّ المجلسُ وهمَّ رجالُ الوفد بالانصراف إلى رواحلهم ليبيتوا عندها أجال عمرُ بصرَه في حقائبهم فرأى طرَف ثوب خارجًا من إحداهم فقام فلمسه بيده و قال: لمَن هذا ؟ فقال الأحنفُ: ليَ يا أمير المؤمنين، و قد أدرك أنه استغلاه فقال له عمرُ: بِكَمْ اشتريته ؟ فقال: بثمانية دراهم، فقال: هلاَّ اكتفيتَ بواحد ووضعتَ فضلَ مالك في موضعٍ تعين به مسلما، أي اشترِ ثوبا بدرهم ووضعتَ فضلَ مالك في موضعٍ تعين به مسلما، ثم قال رضي اللهُ عنه:خذوا من أموالكم ما يصلِح شأنكم، وضعوا الفضولَ في مواضعها تُريحوا أنفسكم و تربحوا.

    سيِّدنا عمر أذِن للرجال بالعودة إلى البصرة، غير أنه لم يسمح للأحنف أن يعود إليها، واستبقاه عنده حولاً كاملاً، ولقد أدرك عمرُ بثاقب نظره ما توافر لهذا الفتى التميمي من حِدَّة الذكاء، ونصاعة البيان، وسمُوِّ النفس، وعُلُوِّ الهمَّة، وغِنى المواهب، فأراد أن يُبقيَه قريبا منه ليصنعه على عينه، وليلقى كبارَ الصحابة فيهتدي بهديهم، ويتفقَّه في دين الله على أيديهم ثم إنه كان يريد أن يختبره عن كتَب، وأن ينفُذ إلى دخيلة نفسه قبل أن يولِّيه بعضَ شؤون المسلمين ذلك أن عمر كان يخشى الأذكياءَ الفصحاء أشدَّ الخشية، لأنهم إذا صلحوا ملؤوا الدنيا خيرًا وإذا فسدوا كان ذكاءهم وبَالاً على الخلق، فالأذكياءُ يُخوِّفون، يا أحنف إني قد ابتليْتُك واختبرتُك فلم أرَ إلا خيرًا، وقد رأيتُ علانيتَك حسنةً، وإني لأرجو أن تكون سريرتُك حسنةً أيضًا مثلَ علانيتك، ثم وجَّهه لحرب الفرس و كتب لقائده أبي موسى الأشعري: أمَّا بعدُ فأدنِ الأحنفَ بن قيس و شاورْه واسمعْ منه، فانضوى الأحنف تحت ألوية المسلمين المشَرَِّقة في بلاد فارس، و أبْلى من ضُروب البطولات ما جعل سهمَه يعلو، ونجمَه يتألّق، وأبلى هو وقومه بنو تميم في قتال العدوِّ أكرمَ البلاء، وبذلوا أسخى البذل، حتى فتح اللهُ على أيديهم مدينةَ تُوسْتَرْ، دُرّةَ التاج الكِسرَوِي، وأوقع في أسرهم الهُرمزان.

    كان الهرمزان من أشدِّ قواد الفرس بأسًا، وأقوى أمرائهم شكيمةً، و أمضاهم عزيمةً وأوسعهم مكيدةً في الحرب، وقد ألجأتْه انتصاراتُ المسلمين إلى مصالحتهم أكثر من مرة، غير أنه كان يغدر بهم كلما سمحتْ له الفرصةُ، وظنَّ أنه قادرٌ على النصر، فلمل أطبقوا عليه تحصَّن منهم في بُرْجٍ من أبراج الحصن و قال: إن معي مائة سهم وواللهِ ما تصلون إليَّ ما دام في يدي شيءٌ منه، و أنتم تعلمون أني رامٍ لا تخطِأ له رمية، فما جدوى أسركم إيايَ بعد أن أقتل منكم مائة ؟ فقالوا و ماذا تريد ؟ فقال: أريد أن أنزل على حكم خليفتكم عمر، ولْيفعلْ بي ما يشاء، فقالوا: لك ذلك، فرمى قوسه على الأرض، ونزل إليهم مستسلمًا، فشدُّوا وثاقه وأُرسِل إلى المدينة مع وفد من أبطال الفتح، و كان على رأسهم أنسُ بن مالك خادم رسول الله صلى الل عليه و سلم و الأحنفُ بن قيس تلميذُ المدرسة العُمرية، ومضى الوفدُ يحُثُّ الخُطى بالهرمزان نحو المدينة ليبشِّر سيِّدَنا عمر بالفتح، ويحمل إلى بيت مال المسلمين خمس الغنائم، وليسلّم ناقض العهود، خوَّانَ الذمم إلى الخليفة ليحكم فيه بحكمه، وسيدنا صلاح الدين لما انتصر على الفرنجة عفا عن كلِّ ملوك فرنجة إلا ملكًا واحدًا كان كلَّ عامٍ يغدِر بالمسلمين، ويقتل حجَّاجهم هذا لم يعفُ عنه، بل قتله بيده، لأنه كان غدَّارا، فهذا كان ناقضًا للعهود، خوَّانا للذِّمم، أُرسِل إلى المدينة ليحكم فيه سيدنا عمر بحكمه، و لما بلغوا حواشيَ المدينة أعدُّوا الهرمزان ليعرضوه على المسلمين على هيئته هناك، فألبسوه ثيابَه المنسوجة من ثمين الديباج، و المُوشَّاة بخيوط الذَّهب، ووضعوا على رأسه تاجَه المرَصَّعَ بالدُّرِّ و الجوهر و قلَّدوه صوْلجانَه المصنوعَ من الإبريز المُكلَّل باليواقيت و اللآلئ، وأدخلوه إلى المدينة بهيئته العظيمة يوم كان قائدًا كبيرا في بلاد فارس، فما أن وطِأتْ أقدامُهم أرضَ يثربَ حتى تجمَّع الناسُ عليهم شِيبًا وشبَّانًا، إنه منظرٌ غريبٌ، و جعلوا ينظرون إلى أسيرهم، ويعجبون من هيئته وزيِّه أشدَّ العجَب، توجّه الوفدُ بالهرمزان إلى دار عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل هو في المسجد يستقبل وفدًا قدِم عليه فانطلقوا إلى المسجد فلم يجدوه، و كانوا كلما طال بهم البحثُ عن الخليفة تكاثر الناسُ عليهم و اشتدَّ الزحامُ، فصار الأمرُ فُرجة، وفيما هم في حيرتهم رآهم صبيةٌ صغارٌ يلعبون فقالوا: ما شأنكم ؟ نراكم ذاهبين آيبين لعلَّكم تريدون أميرَ المؤمنين، قالوا: نعم نريده، قالوا: فإنه نائمٌ في ميمنة المسجد متوسِّدٌ بُرنسَه، و كان عمرُ رضي اللهُ عنه قد خرج للقاء وفدٍ من أهل الكوفة، فلما انصرف الوفدُ خلع البُرنس ووضعه تحت رأسه وأسلم جفنيه للتراب، فانطلق الوفدُ بالهرمزان إلى ميمنة المسجد فلما رأوا الخليفةَ نائما جلسوا دونه، وأجلسوا أسيرَهم معهم، و لم يكن للهرمزان يفقه العربيةَ، وما كان يخطر بباله أن هذا النائمَ في ناحية المسجد هو أمير المؤمنين عمر، حقًّا لقد كان قد سمع عن تقشُّفه، وزهده في زخرُف الدنيا وزينتها، لكنه ما كان يتخيَّل أن ينام قاهرُ الروم و الفرس في طرف المسجد من غير غطاء، و لا وِكاء و لا حرَّاسٍ و لا حُجَّابٍ و لما رأى القومَ يجلسون صامتين، ظنهم الهرمزانُ يتأهَّبون للصلاة، ويترقَّبون قُدوم الخليفة لكنَّ الأحنفَ بن قيس جعل يشير إلى الناس أن يسكتوا، ويكفُّوا عن الجلبة لكي لا يوقظوا الخليفة فقد كان يعلم علم اليقين من صحبته السابقة أنه قلَّما يُغمَض له جفنٌ في الليل، فهو إمَّا قائمٌ في محرابه يعبد اللهَ، وإمَّا متخفِّفٌ من ثيابه يجوب أحياءَ المدينة ليعرف أحوالَ الرعية، أو عاسٌّ يحرس بيوت المسلمين من الطُّراق، فأثارتْ إشاراتُ الأحنف إلى الناس انتباهَ الهرمزان، فالتفت إلى المغيرة بن شعبة و كان يعرف الفارسية و قال: مَن هذا النائمُ ؟ فقال له المغيرةُ: إنه عمر فثغَرَ الهرمزانُ فمه دهشةً و قال: عمر! أين حرسُه و حجَّابُه ؟ فقال له المغيرةُ: ليس له حارسٌ و لا حاجبٌ، فقال الهرمزان: ينبغي أن يكون نبيًّا، فقال المغيرة: لا، بل يفعل فعلَ الأنبياء إذ لا نبيَّ بعد رسول اللهِ، ثم كثُر الناسُ، و ارتفعتْ الجلَبةُ فاستيقظ عمرُ، واستوى جالسًا، ونظر إلى الناس في دهشةٍ، فرأى الأميرَ الفارسي وعلى رأسه تاجُه المتَوهِّج تحت أشعَّة الشَّمس، وفي يده صولجَانُه الذي يخطف بريقُه الأبصارَ، فحدَّق وقال: مَن هذا ؟ فقالوا: هو الهرمزانُ، فقال: الهرمزانُ فقال الأحنفُ:: نعم يا أمير المؤمنين، فتأمَّل عمرُ ما عليه من الذهب واللآلئ واليواقيت، و الجواهر والحرير، ثم أشاح بوجهه و قال: أعوذ بالله من النار، و أستعين به على الدنيا، الحمد لله الذي أذلَّ هذا و أشياعَه للإسلام، و قال: يا معشر المسلمين تمسّكوا بهذا الدين ؛ كلمة عميقة ؛ يا معشر المسلمين تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيّكم الكريم ولاتُبطِركم الدنيا فإنها غرَّارةٌ، فلما فرغ من كلامه بشَّره الأحنفُ بن قيس بالفتح و أخبره بما أفاء اللهُ على المسلمين من الغنائم، وقال: يا أمير المؤمنين إن الهرمزان قد استأسَر لنا - أي استسلم - وطلب أن ينزل على حكمك فيه، فكلِّمه إذًا، قال: لا أكلِّمه حتى تخلعوا عنه هذه المظاهر فخلعوا عنه حِليته وتاجه، وأخذوا منه صولجانه، وألسوه ثوباً يستره، عند ذلك التفت عمر إليه، وقال: يا هرمزان - طبعا هناك مترجِم - كيف وجدتَ وبالَ الغدر، وعاقبة أمر الله ؟ فأطرق الهرمزان في ذِلَّة، ثم قال: يا عمر لقد كنا في الجاهلية نحن و إياكم و لم يكن الله معنا و لا معكم، فغلبناكم، فلما أسلمتم صار اللهُ معكم فغلبتمونا، فقال له عمر: لقد غلبتمونا لهذا الذي ذكرتَ، ولأمر آخر هو اجتماعكم وتفرُّقنا، ثم نظر إليه بشدة و قال: ما عذرُك في انتقاضك المرة تِلْوَ المرة عهود المسلمين يا هرمزان، هل لك عذرٌ في الغدر ؟ فقال الهرمزانُ: أخاف ؟ أن تقتلني، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تخبرني - أي أنت في أمان إلى أن تخبرني، فلما سمع الهرمزان ذلك من عمر هدأ رَوْعُه بعض الشيء، وقال: إني عطشان، فأمر له عمر أن يسقوه، فأُتِيَ له بماء في قدحٍ غليظ، فتأمله - طبعا هذا ملِك - قال: و اللهِ لو متُّ عطشا ما شربتُ من هذا الإناء، فأمر عمرُ فأُتيَ له بماء في إناءٍ يرضاه ؛ فلما أخذه من يده جعلت يدُه ترتجف، فقال له عمرُ: ما بكَ ؟ فقال إني أخاف أن أُقتَل وأنا أشرب هذه الجرعة من الماء فقال له عمر: لا بأس عليك حتى تشربها، فما كان من الهرمزان إلا أن كفَأَ الإناءَ، وسفح الماءَ فقال عمر: أحضروا له ماء غيرَه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطشَ، فقال الهرمزان: لا حاجة لي بالماء أبدا، وإنما أردتُّ أن أستأمِن به على نفسي من القتل، فقال له عمر: إني قاتلُك، فقال الهرمزان: لقد أمَّنتني، فقال عمر: لقد كذبتَ، فقال أنسُ بن مالك: صدق يا أمير المؤمنين لقد أمَّنتَه، فقال عمر: ويحك يا أنس أَؤُأمِّن قاتلَ أخي، هيهات، فقال أنسُ: لقد قلتَ له: لا بأسَ عليك حتى تخبرني، وقلتَ له: لا بأس عليك حتى تشرب الماء، وأيَّد الأحنف قول أنس، وأقرَّ الحاضرون بأن سيّدنا عمر قد أمَّن الهرمزانَ، فنظر عمر إليه، وقال: لقد خدعتَني، وإني واللهِ لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم الهرمزانُ، فأراد سيدنا عمر أراد أن يقسُوَ عليه كي يحمله على الإسلام، و أحيانا تحدث تمثيلية بين الأب والأم على الطفل، وسيدنا عمر كان يقلق بالَه كثرةُ نقض الفرس لعهودهم وانقلابهم.

    يتبع
     


  2. محمدالدبر

    محمدالدبر عضوية فخرية الإدارة

    3,153
    678
    1,731

    شكرا جزيلا لك اخي اكرم جعله الله في ميزان حسناتك
     


  3. akram0938

    akram0938 مؤسس المنتدى الإدارة

    10,723
    1,367
    1,731

    الإسلام عقيدة و شريعة :


    أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعض الأخوة الأكارم رَغِبَ أن يكون موضوع هذا الدرس عن حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا ، وكنت قد ذكرت في الخطبة يوم الجمعة بعضاً من هذه الحِكَم ، وأنا أستجيب لهذه الرغبة ، فأجعل جُلَّ هذا الدرس أو بعضه بحسب التيسير في موضوع الحج .
    بادئ ذي بدء أقول : الإسلام عقيدةٌ وشريعة ، لخَّصها الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة فقال :

    ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾[ سورة الكهف : 110 ]

    هذه العقيدة " لا إله إلا الله " فلو ضغطتها كلها ضغطاً كثيفاً كثيفاً ، لانتهت بقوله تعالى :

    ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾[ سورة محمد : 19 ]

    لذلك قال العلماء : نهاية العلم لا إله إلا الله ، هي كلمةٌ خفيفةٌ على اللسان ، ثقيلةٌ في الميزان .
    وهنا نقطة دقيقة أتمنى على الله عزَّ وجل أن يوفقني إلى توضيحها ، وهي أنّ فهم الآية شيء وأن تكون في مستواها شيءٌ آخر ، بل شتانَ بين فهم الآية وبين أن تكون في مستواها ، فقد تفهم قوله تعالى :

    ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾[ سورة محمد : 19 ]

    ولكن إذا كنتَ في مستواها فإن إيمانك بهذه الكلمة ، أو بأنه لا إله إلا الله يحملك قطعاً وحتماً على طاعة الله ، فمن كان في سلوكه خَلَل ففي عقيدته خلل ومن كان في سلوكه معصية فإيمانه بأنه لا إله إلا الله لم يُسْتَكْمَل بعد ، فنحن إذا قسَمنا الإسلام إلى عقيدة ، فهذه العقيدة تنتهي بقول لا إله إلا الله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

    (( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلا تَتْرُكُ ذَنْبًا ))[ ابن ماجة عَن أُمِّ هَانِئٍ ]

    وإذا تركنا العقيدة جانباً ، فهناك جانب العبادات التي تتمثَّل بقوله تعالى :

    ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾[ سورة الكهف : 110 ]

    في الإسلام جانب نظري ، وجانب اعتقادي ، وجانب فكري ، وجانب عقلي هذه كلها مرادفات ، وفي الإسلام جانب سلوكي ، وجانب عملي تطبيقي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال يؤكِّد ذلك :

    (( تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))[رواه ابن عدي في الكامل ، والخطيب البغدادي في كتاب اقتصاد العلم للعمل عن معاذ ابن جبل]

    وقال أيضاً : كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به ، فجانب العمل قَسَمَهُ العلماء قسمين ، عباداتٌ ومعاملات ، علاقتك مع الله تنظِّمُهَا العبادات ، وعلاقتك مع الناس تنظمها المعاملات ، لذلك أحكام البيع والشراء ، والزواج والطلاق ، والإيجار والشرِكات ، والمُضاربة المُزارعة والمساقاة ، وأحكام الوديعة واللقطة والأيْمَان ، كل هذه الأحكام مهما اتسعت وتعددت وتشعَّبت فإنها تنضوي كلها تحتها تحت عنوان المعاملات ، وهي علاقتك بالخلق .
    أما علاقتك بالحق فهذه تنظمها العبادات ، وفي مقدمتها الصلاة ، والصلاة في كل مكان وزمان ، في الصحة والمرض ، والغنى والفقر ، وفي الحَضَر والسفر ، فلا يمكن أن ينقطع الإنسان عن الصلاة إلا في حالتين ؛ الإغماء والجنون ، ولو كان في مرضٍ شديد فله أن يصلّي بالإيماء ، أو بجفنه ، أو بعينه .
    قلت لكم قبل قليل : الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر بعضها عبادات وبعضها مُعاملات ، والمعاملات جاءت أحكامها الكُلِّيَةَ في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله ، وجاء العلماء المجتهدون فاستنبطوا الأحكام التفصيلية من هذه النصوص الكلية فكان الفقه ، فالفقه هو أحكامٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسُنَّة ، والفقه أحكام اجتهادية ، وأما العبادات فأحكام الله التي أَلْزَمَ عباده بها ، فالصلاة مثلاً " الصلاة عماد الدين من أقام فقد أقام الدين " ، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله ، والصيام لعلكم تتقون ، وهو أن تصل به إلى الله ، والصلاة عبادة بدنية ، والصيام عبادة بدنية ، أما الزكاة فعبادةٌ مالية ، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ ، وماليةٌ ، وروحيةٌ ، مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد ، ويبدو أن الحج من أعلى العبادات مستوىً ، لأسبابٍ كثيرة . .




    العبادات طريق لمعرفة الله عز وجل :


    بادئ ذي بدء ، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاته ، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالكون تجسيدٌ لأسمائه الحسنى ولصفاته الفضلى ، ومن أسمائه العليم ، فهو العليم الحكيم ، وهو الرؤوف الرحيم ، وهو القدير الغني ، وهو السميع البصير ، فكل هذه الأسماء الحسنى لا بدَّ أن تعرفها من خلال الكون ، فالكون دالٌ على عظمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى .
    فالحج بشكلٍ مختصر أن الله سبحانه وتعالى يقول لك : أن يا عبدي تعالَ إليّ أمَّا الصلاة فصلِّ وأنت في بيتك ، وأنت في بلدتك ، وأنت بين أهلك ، وأنت في مجتمعك ، وأنت بين قومِك ، والزكاة ادفع من مالك ، والصوم دعِ الطعام والشراب ، لكن الحجَّ تعالَ إليّ ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم :

    ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾[ سورة الصافات : 99]

    إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة ، وقد يُسافر بدافع التعلم ، وقد يسافر بدافع الاستجمام والسياحة ، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل ، تعالَ إليّ واترك همهومك، دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ ، دع هموم المعاش في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي ، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة ، وهذه حكمة الله البالغة ؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده سواءٌ أكانت هموم المعاش ، أو هموم العمل ، أو هموم الأُسرة ، أو هموم الصحة ، ُيجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها ، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام ، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا ، خلِّ عنك وتعالَ ، دع عنك الهموم كلها ، تعالَ إليّ يا عبدي ، فهو أمر إلهي ، وخالق الكون يقول لك :

    ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾[ سورة آل عمران : 97 ]

    تترك أهلك وولدك ، وتتحمل مشاق السفر ، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة ، ثم ترجع كما ذهبت ؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل ، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله ، ويدفع عشرات الألوف ، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات ، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً ، أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً ، فالله سبحانه وتعالى جلَّ وعلا أن يكون أمره كذلك . قال لك : تعالَ إليّ لأذيقك طعم القرب ، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة ، تعال إلي لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء . . وأن كل شيء سوى الله باطل ، وأن كل نعيمٍ لا محالة زائل . .
    ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
    ***

    فالحج فرصةٌ واحدة في العمر ، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة .




    حكم الحج :


    1 ـ الإقبال على الله يعينك على أن تقبل عليه و تنعم بقربه :


    إذاً يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خلقه فحسب بل في تشريعه ، وليس في تشريعه فحسب بل في عباداته ، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب بل في الحج، فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين ، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون ، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون .
    إذاً أول شيء كما أن الكون خلقه - هذه الكلمة دققوا بها - ومن خلال الكون تتبدَّى عظمته ، كذلك هذه العبادة أمره ، ومن خلال هذه العبادة يجب أن تتبدَّى عظمة الله عزَّ وجل سواءاً بسواء ، فالله عزَّ وجل حينما قال لك : تعال إليّ قطع عنك الهموم ، وحينما أمرك أن تنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام ، جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حظوة ، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا ، والله عزَّ وجل غني عنك . .

    ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾[ سورة الحج : 37 ]

    فقد أمرك أن تبتعد عن مكان الهموم ، وعن هموم المعاش وهموم العمل والأسرة والصحة ، وقال لك : تعالَ ، وأنفق أجرة الطريق ، ورسم الدخول ، وأجرة الإقامة ، وثمن الطعام والشراب ، وثمن الهدي ، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً ، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبل عليه ، فيقدِّم لك المبرر والمسوِّغ كي تُقبِل عليه ، إذاً حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك ، ومكان إقامتك ، وأهلك ، وزوجتك ، وأولادك ، وعملك ، وعزك ، وشأنك ، وجاهك ، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها دعها كلها وتعالَ إليّ ، هذا أول معنى ، تركتها وتجشَّمت مشاق السفر ، فشعرت أن لك عند الله حظوة ، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك ، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسراً لك ، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريباً منك ، وأصبحت المناجاة في مقدورك وكأنك تصنعها ، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبي المنال ، هذا هو المعنى الأول . فقد حملك على أن تقبل عليه ، فحملك على أن تَنْعُمَ بقربه ، فحملك على أن تسعد بالاتصال به ، فهذا هو المعنى الأول .

    2 ـ الحج يحجم الإنسان و يريه حقيقته :


    أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك ، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً ، وتخلع عنك الثياب المخيطة ، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب ، لجاء هذا بالزي الفلاني ، وهذا بالثوب الفلاني ، وهذا الثوب غالي الثمن ، وهذا ألوانه زاهية ، وهذا خيط خياطةً راقية ، لعادَ التفاوتُ بين الناس ، ويعود النظر إلى ما عند الناس ، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد ؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك ، لذلك لا فرق بين الكبير والصغير ، ولا الغني والفقير ، ولا الذي له سيطٌ ولا خامل الذِكْر ، الكل عند الله سواء ، كأن الله يشعرك أن يا عبدي هناك رحلة أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة ، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم ، وكذا الزوجة والأولاد ، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها ، إذاً كأن الحج رحلة قبل الأخيرة .
    في الرحلة الأخيرة تدع كل شيء بلا عودة ، إنها مغادرةٌ بلا عودة ، لكن الرحلة قبل الأخيرة مغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة ، من أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها ، فدع عنك الدنيا قبل أن تدعك ، دعها عنك قبل أن تدعك هي ، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك ، اعرِفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها ، هذا هو حجمك ، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ ، أشعث أغبر ذو طمرين ، يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات ، أو حول البيت الحرام ، أو بين الصفا والمروة ، عبد حجمك صغيرٌ ، وشأنُك حقير ، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل :

    ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾[ سورة الأنعام : 94 ]

    لقد تركت هموم المعاش ، وتجشَّمت مشاق السفر ، وخلعت عنك كل الزينة ، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة ، لأن الإنسان قد يصلي في بلده ، قد يصلي صلاةً شكلية ، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه ، ومشكلاته ، أو دنياه ، وقد يُعيقه ماله ، أو شأنه ، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج ، وقال لك : تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك ، لذلك " إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " . . فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله ، بالتعريف الدقيق هو صلحٌ مع الله . فإذا صالحت إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك ، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك : الحمد لله كابوسٌ زال عني ، أو إذا هي صالحته ، يقول لك : يا أخي الحمد لله الأمور رجعت إلى مجاريها ، فكيف إذا صالحت رب السموات والأرض ؟! كيف إذا صالحت من بيده ملكوت كل شيء ، من بيده أمر حياتك وموتك ، إذا صالحته فهنيئاً لك ، فالحج مشروع صلح مع الله .

    3 ـ الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل :


    لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود ، وممكن الوجود ، ومستحيل الوجود ، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، ونحن من باب ممكن الوجود ، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل ، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يكرمك : " إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني ، وحُق على المزور أن يكرم الزائر " فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله ، لا يبتغي إلا الحج ، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا ، فإذا ذهبت كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن ، بل لا بد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل ، جبر كسرك ، وحقق رغبتك ، وأعانك على أمر دينك ودنياك . هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام ، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك . .

    (( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))[البخاري عن أَبَي هُرَيْرَةَ]

    كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء ، وانتهى الحساب ، ودخلتَ في مسامحة وعلى كلٍّ انتهى الحساب القديم ، وفُتِحت صفحةٌ بيضاء ، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذاً أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه ، إنه الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل لك ، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها .


    4 ـ في الحج يحس الإنسان أنه ضيف الرحمن :


    شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله ، ففي طواف القدوم دعاء ، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء ، وفي الإقامة بمنى دعاء ، وفي الوقوف بعرفة دعاء ، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء ، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء ، وفي طواف الإفاضة دُعاء ، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

    (( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))[الترمذي عن أنس بن مالك ]

    إنّ مخ العبادة الدعاء ، فإذا دعوته لا بدَّ أن يستجيب لك ، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك فكيف بالدعاء وأنت في بيته ؟ فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة ، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مئةٌ في المئة ، فأنت في بيته ، وفي إكرامه وضيافته لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل ، ضيف الرحمن ، هذا الإحساس صارخ ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام .


    5 ـ تشريف الإنسان بزيارة بيت الله الحرام :


    وثمّة شيء آخر ، أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حججت البيت ، لا ، ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل جلَّ وعلا سمح لك أن تزور بيته ، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته ، وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج ، لأنك إذا قلت : يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام ، وهذا كرم منك ، فقد أكرمك الله بزيارته وبتجلِّيه على قلبه .
    فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم إن قلةً قليلةً يعانيها ، لا والله بل تشمل كل حاج ، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده ، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحج بإخلاص ، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً ، ولا زينةً ولا وجاهةً ، ولا تجارةً ولا عملاً ، ولا إقامةً ولا ولا ، فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة .


    الإكثار من الدعاء في الحج لأن الدعاء مستجاب :


    أنت إذا طُفْتَ حول الكعبة ، تدعو الله عزَّ وجل : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار "
    ماذا بقي ؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ، هذا الدُعاء الذي أؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به :

    ((اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني يا كريم))[ الترمذي عن عائشة ]

    و يحب أن يعفو عنك ، وها أنت ذا تطلب منه العفو ، إذاً لا بدَّ أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل : فتحت لك مع الله صفحةٌ جديدة ، فإذا قلت :

    (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها مردي ))[ الترمذي عن عائشة ]

    وإذا قلت : واجعل الحياة زاداً لي من كل خير ، فما دامت الحياة فيها زيادةٌ لي من الخير فأحيني يا رب . . واجعل الموت راحةً لي من كل شر ، تشعر أن حياتك خير ، وأن انتهاء الحياة خير ، فهذه الأدعية في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان تحس أن لها وَهْجًا ، لأنك لو دعوت بها آلاف المَّرات وأنت في بلدك لا تذوق طعمها ، إلا إذا دعوت بها وأنت في بيته ، وأنت في في ضيافته ، وأنت متعرضٌ لكرمه في الطواف دعاء ، فإذا وصلت إلى الحجر الأسود ، والنبي عليه الصلاة والسلام قّبَّلَ الحجر الأسود وبكى كثيراً ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :

    (( اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))[ ابن ماجة عن ابن عمر ]

    لذلك أجمع أهل العلم على أن الحجر الأسود يمينُ الله في أرضه ، لذلك عند تقبيله تدعو وتقول :

    (( بسم الله الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك ))[ ابن ماجة عن ابن عمر ]

    لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ أتمنى أن كل من أتيح له أن يقبِّل الحجر الأسود ألا ينسى هذا التقبيل طوال حياته ، كلما شعر بالتقصير تذكَّر أنّه قبَّل الحجر الأسود ، وعاهد الله عزَّ وجل على طاعته ، فهل أنت في مستوى هذه الطاعة ؟ وهل أنت ذاكرٌ لهذا العهد ؟ "عهداً على طاعتك" ، فكلما قطعتَ شوطاً وقفتَ أمام الحجر الأسود ، وسرتَ أمامه عَرْضَاً ، وقلت : " بسم الله ، الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك " ، وبعد هذا الطواف الذي هو سبعة أشواط ، تتوجَّهُ إلى المسعى ، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ بما بدأ الله به " . . تتلو قوله تعالى :

    ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾[سورة البقرة : 158]

    وأيضاً في الطواف دعاء ، فالله عزَّ وجل أعطاك أمكنة وحركات يجب أن يرافقها الدعاء ، فهل أنت في مستوى الدعاء ؟ لذلك إذا أزمع الإنسانُ الحجَّ فأنا أنصح له أن يكثر من حفظ الأدعية ، لأنك لو فتحت الكتاب هكذا فإنّ رونق الدعاء يتلاشى ، وروحانية الإقبال تذهب، وهناك أشخاص يفتحون الكتاب ويرفعون أصواتهم بالدعاء إلى درجة أنهم يشوِّشون على كل من يسعى ويطوف ، وهناك من يرفع صوته ليرُدَّ النساء خلفه ، وصوت المرأة عورة لذلك تفقهوا قبل أن تحُجّوا ، فيجب أن تدعو من ذاكرتك ، فإذا أعدَّ الإنسانُ نفسَه قبل الحج بشهرين أو ثلاثة ، وجمع الأدعية كلها ، وحفظها إلى درجة أنه أصبح يدعو بها من ذاكرته وقلبه فعندئذٍ يستطيع أن يلتفت إلى الله ، أما إذا فتح الكتاب وفُتِحت ورقة معه بالخطأ فغيَّر ، فإنّ هذا الحال الطيب الذي يظن أنه سيصل إليه قد يتفلَّت منه .
    ثم إن الدعاء إذا تعلمته أو أمسكت بهذا المفتاح السحري ، فإنّه أكبر سلاح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " الدعاء سلاح المؤمن " . لأنك بالدعاء تنتصر على أقوى إنسان، لأن الله معك ، قال له : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ " ما قولك ؟ وما ظنك بإنسان الله سبحانه وتعالى معه ؟ فإذا دعوت الله في الحج ينبغي أن يصبح الدعاء رفيقاً لك في بلدك ، كلما واجهتك مشكلة ، أو ألمَّت بك مُلِمَّة أوشعرت بالضيق ، أو لاح لك شبحُ مصيبة ، أو أخافك إنسان ، أو أوقعك القلقُ في شعورٍ وحزن ، في هذه الحالات ادعُ الله عزَّ وجل . .

    ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[ سورة غافر : 60 ]


    لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجـــــــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَــــبُ
    الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
    ***

    إنَّ العبدَ إنْ سألته يغضب ، أما الله عزَّ وجل فيغضب إن تركت سؤاله . فالطواف إلى صلاة ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم ، وأكثر الحجَّاج يصرون على أن يصلُّوا خلف المقام ، وفي أيام الطواف الشديد يصبح هذا المصلي عقبةً كؤودًا أمام الطائفين ، مع أن العلماء أجمعوا على أن أي مكانٍ في الحرم المكي الشريف صالحٌ لصلاة ركعتين بعد الطواف ، فهناك أشخاص يضعون حواجز من أجل أن يصلي بعضهم في هذا المقام في ازدحام وتعسر ، فهذا الذي يذهب إلى هناك من دون فقه يؤذي المسلمين كثيراً . فأنا اصبحت أُلِحّ كثيراً على أن الإنسان ينبغي أن يفحَص قبل أن يذهب إلى الحج هل تعرف مناسك الحج وواجباته وأركانه والسنن المُستحبات ؟ فمن أجل أن يفعل سنة يرتكب معصية كبيرة ، أهكذا الحج ؟ من أجل أن تُقَبِّل الحجر تؤذي عشرات المسلمين ، أبهذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فلذلك : " تفقهوا قبل أن تحجوا" .


    حاجة الحج إلى إعدادين فقهي و نفسي :


    قلت في نفسي : إن الحج يحتاج إلى إعدادين ؛ إعداد فقهي ، وإعداد نفسي، فالإعداد الفقهي يجب أن تدرُسَ أحكام الحج الكُبْرَى والفرعية ، إلى أن تصل إلى دقائق الأعمال لأنك هناك قد تواجه مشكلة ، ما حكمها ؟ أعليها دم ؟ أهي سنةٌ أم هي واجبٌ ؟ هل عليَّ شيءٌ أم لا شيء عليَّ ؟ هذا الأمرُ ينبغي أن يكون واضحاً عند كل أخ ، فلا بدَّ من أن يتلقَّى دروساً مكثفةٌ في أحكام الحج ، وأركانه ، وواجباته ، وسننه ، ومستحبَّاته ، وآدابه ، وحكمته ، من أجل أن تكون هذه المعلومات زاداً للأخ الذي يحجُّ البيت ، أما الإعداد النفسي فأنْ تكون قد أَنَبْتَ إلى الله إنابةً صحيحة ، وتبتَ إليه من كل الذنوب ، فتوبتك واستقامتك ، وعملك الطيِّب وتحرِّيك المالَ الحلالَ هو الإعدادُ النفسي للحج ، لذلك قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

    (( إذا أصححت لعبدي جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمسة أعوام لم يَفِد إليَّ لمحروم ))[البيهقي في السنن الكبرى ومسند أبي يعلى والترغيب والترهيب للمنذري]


    إضافة الله عز وجل إلى ذاته النبي و البيت الحرام و الكعبة :


    الإمام البوصيري رضي الله عنه قال واصفًا النبي عليه الصلاة والسلام :

    خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
    ***

    في هذا البيت حقيقتان ؛ أولاً : في القرآن آيةٌ واحدة أضاف الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذاته ، قال تعالى :

    ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾[ سورة الجن : 19]

    من هو عبد الله ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام ، أضافه اللهُ إلى ذاته ، لذلك قال البصيري :
    خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
    ***

    وقد خاطب الله عزَّ وجل الأنبياءَ بأسمائهم صراحةً ، فناداهم بأسمائهم . .

    ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾[ سورة مريم : 7 ]


    ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾[ سورة المائادة : 116 ]


    لكن الله عزَّ وجل لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا باسمين ؛ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول ، ولم يقل له : يا محمد ، ولقد ذكر اسمَه في معرض الإِخبار ، لا في معرض النداء ، فقال تعالى :

    ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾[ سورة الفتح : 29 ]


    ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾[ سورة الأحزاب : 40 ]


    أما إنّه لم يقل له : يا محمد . .
    خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
    ***

    وقياساً على هذه الحقيقة ، فقد أضاف الله عزَّ وجل البيت الحرام إلى ذاته فقال :

    ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾[ سورة البقرة : 125]

    إذاً الكعبة المُشَرَّفة أضيفت إلى الله عزَّ وجل ، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض.




    الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة :


    ثم إن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة ، وهذا الشيءُ - سبحان الله - ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى تنعقد الصلة يحتاج إلى بذل جهد كبير ، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط تنعقد هذه الصلة ، فكأن الله عزَّ وجل أزال الحُجُب ، وكما يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

    ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))[ مسلم عن أبي هريرة ]

    وفي حديث آخر :

    (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))[ البخاري عن أبي هريرة ]

    وكأن الله سبحانه وتعالى هنا نزل إلى السماء الدنيا ، وخاطب عباده فغفر لهم ورحمهم ، وقذف في قلبهم النور ، وتجلَّى عليهم ، فسَعِدوا وأسْعَدوا . فلا أريد أن أطيل عليكم ، فمن ذاق عرف ، ومن سار على الدرب وصل ، ومن توجَّه إلى بيت الله الحرام فلا بدَّ أن يعود وقد امتلأ قلبه محبةً لله عزَّ وجل .


    يوم عرفات أشرف يوم في السنة :


    هناك شيء آخر أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ ، فيقول : "انظروا عبادي ، جاؤوني شعثاً غبراً ، فاشهدوا أني قد غفرت لهم " ، فلا يستطيع الإنسان بعرفات أن يكون في حالة غفلةٍ ، لأن هذا اليوم أشرف يومٍ في السنة ، فأشرف الشهور رمضان ، وأشرف أيام السنة يوم الموقف . . عرفات . . وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة ، فالجمعة أشرف أيام الأسبوع ، ورمضان أشرف أشهر السنة ، والموقف في عرفات أشرف أيام السنة قاطبة ، فلذلك حينما يأتي الإنسانُ وكأن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل . .

    ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾[ سورة البقرة : 198 ]

    كما هداكم إليه ، فهذه المناسك المتنوعة ؛ من طوافٍ ، إلى سعيٍ ، إلى صلاةٍ ، إلى وقوفٍ في عرفة ، إلى وقوفٍ في مزدلفة ، إلى رمي الجمار ، هذه المواقف المتعددة جعلها الله عزَّ وجل مناسبةً كي تقبل عليه منها ، فإذا وصل الإنسان إلى رمي الجمرات ، وقد سألني أخ كريم فقال لي : والله أنا لما حججت لم يستقِم الرميُ معي ، بعض الحصيات وصلت ، وبعضها لم يصل ، بعضُها كبير ، وبعضُها صغير ، يا ترى يصح رجمي ؟ سبحان الله ، خطر ببالي هذا الخاطر فقلت له : لو اخترت حصيات من وزنٍ واحد ، وكان الوزن مناسباً ، ووقفت أمام مكان الرمي ، ورميت وفق الأصول الشرعية مئةً في المئة ، وأصبت المرمى إصابةً صحيحة ، وعدتَ إلى بلدك ، وعصيت الله عزَّ وجل ، فإن الشيطان هو المنتصر ، فمهما أتقنت رمي الجمرات وعصيت الله عزَّ وجل فالشيطان هو المنتصر ، فإذا أطعتَ الله عزَّ وجل بعد الحج ، فأنت المنتصر ، لذلك قال الإمام الغزالي : " لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الله " .
    فأنت مِن الآن إذا أردت أن ترغم أنفه من دون أن ترجمه فأطع الله عزَّ وجل وأنت في بلدك ، وانتهى الأمر ، طاعتك لله عزَّ وجل وأنت في بلدك إرغامٌ لأنف الشيطان ، عليه لعنة الله .
    شيءٌ آخر ، أن الإنسان حينما يرجم الشيطان يشعر أن هذه المعرفة التي حَصَلَت له تقتضي معاداة الشيطان ، وهذه المعرفة التي حصلت له من لوازمها الحقيقية أن تعاديَ الشيطان ، وأن تبعدهُ عنك ، وعن خواطرك ، وسلوكك ، وعاداتك ، وعن كل أعمالك اليومية ولا أملك إلا أن أقول لكم : من ذهب إلى بيت الله الحرام مخلصاً بهذا الذهاب ، ومن أحرم من الميقات ، وضبط نفسه . .

    ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾[ سورة البقرة : 197 ]

    ومن سعى وطاف وصلى ووقف ورمى ، وأقام بمنى ، فهذه المشاعر لا بدَّ أن تكون بالنسبة إليه معالم الهُدَى التي ينتظرها من الله عزَّ وجل ، وبعد الحج إذا توجَّهَ إلى الحرم النبوي الشريف ، فالمشاعر هناك من نوعٍ آخر ، أي إن هذا الهدى كان على يد النبي عليه الصلاة والسلام .




    من وقع في ضيق فوقف أمام قبر الرسول أكرمه الله :


    قلت لكم يوم الجمعة في الخطبة أن العتبي وهو أحد التابعين كان في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته الشريفة ، فجاء أعرابي وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال : أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وبعدها قال : يا رسول الله سمعت الله يقول :

    ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾[ سورة النساء : 64]

    وهأنذا يا رسول الله قد جئت إليك فاستغفر لي الله عزَّ وجل ، يروى أن هذا التابعي الجليل العُتبي أدركته سنةٌ من النوم ، فنام ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : يا عُتبي الْحَقْ الأعرابيَّ ويشِّره أن الله قد غفر له ، يقول العالم ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية:

    ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾[ سورة النساء : 64]

    هذه الآية تَصِحُّ بعد وفاة رسول الله ، فتصحُّ في حياته ، وتصح بعد مماته ، فكل إنسانٍ ضاقت به الدنيا ، وضعفت حيلته ، أو أخافه شيء ، أو أقلقه شيء ، إذا ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتلا هذه الآية :

    ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾[ سورة النساء : 64]

    هذا الأعرابي قال بيتين من الشعر :
    يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
    نفسي الفداءُ لقبرٍ أنــــــــــــت ساكنـــه فيــه العفاف وفيه الجود والكرمُ
    ***

    وقد سمعت من أناس كثيرين واللهِ وهم صادقون أنَّ أشياء كثيرة أقلقتهم ، فلما وقفوا أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلوا هذه الآية ، واستشفعوا به ، فَرَّجَ الله سبحانه وتعالى عنهم كربهم ، وما هم فيه .
    وتعليل هذه القصة أن الأب أحياناً يريد أن يقيم علاقةً طيبةً بين ابنه وأمه ، فإذا سأل الابن أباه شيئاً فإنَّه يُمَكِّن الأمَّ من تلبية هذه الرغبة ، وبهذا تنمو العلاقة الطيِّبة بين الأم وابنها ، فالله سبحانه وتعالى إذا وقع الإنسان في ضيق ، فوقف أمام هذا القبر العظيم ، أمام مقام رسول الله عليه أتم الصلاة و التسليم ، فإنّ الله يكرمه إكراماً لهذا النبي ، لذلك أنا حيٌ طري في قبري وقال : حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم .



    يتبـــــــــع
     


  4. محمدالدبر

    محمدالدبر عضوية فخرية الإدارة

    3,153
    678
    1,731

    جوزيت خيرا اخي الغالي اكرم
     


  5. akram0938

    akram0938 مؤسس المنتدى الإدارة

    10,723
    1,367
    1,731

    فروض الحج

    1 ـ الإحرام :


    أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع الحج، و قد تحدَّثتُ إليكم في الدرس الماضي عن فرضية الحج، وعن فوائد الحج و شروط وجوب أدائه، وعن شروط صحة الأداءِ، وعمَا إذا كان الحجُّ واجبًا على الفور أو على التَّراخي، واليوم ننتقل إلى ثلاثة موضوعات: الموضوع الأول : فروض الحج، و الموضوع الثاني : واجبات الحج، و الموضوع الثالث : سنن الحج.
    فمن فروض الحج الإحرام، والإحرام عند الأئمة الثلاثة ركن، عند الإمام أبي حنيفة شرطٌ، ومعنى الشرط أنه يجب أن يستمر طوال أداء الفريضة، كأن تكون متوضِّئا للصلاة، واستقبال القبلة شرط للصلاة، فالشرطُ يستمر طوال العبادة، بينما الركن ينقضي بانقضاء أفعاله.
    وعلى كلٍّ فالإحرامُ في حقيقته نيِّةٌ بالقلب، وتلبيةٌ باللسان، من غير فاصلٍ أجنبيٍّ بين النية والتلبية، فإذا نوى الإنسانُ الحجَّ والتقى مع إنسان و تحدَّثوا في موضوع تجاري، ثم عاد فقال: لبيك اللهم لبيك، هذا غلطٌ، نيَّةٌ بالقلب وتلبية باللسان من دون أن يكون بينهما فاصل أجنبيٌّ، والتلبية كما وردت عن النبي عليه الصلاة و السلام: " لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك."
    أمَّا النية فيستحب أن يلفظها الإنسانُ بلسانه، و إن كانت النية من عمل القلب، فيقول الحاجُّ مثلا: لبَّيك بحجّ و عمرة، اللهمَّ تقبَّلهما مني و يسِّرهما لي، أو لبيك بحج، اللهم تقبَّله مني و يسِّره لي، هذا إذا كان مُفرِداً، أمّا إذا كان متمتِّعاً أو قارناً يقول: لبيك بعمرة و حج، يبدأ بالعمرة، و إذا كان مفرداً يقول: لبيك بحج، فالنية التي يلفظها الإنسانُ بلسانه مع التلبية هذا هو الإحرامُ .

    2 ـ الوقوف بعرفة في وقته :


    الفرضُ الثاني، الوقوف بعرفة في وقته لِما رواه الترمذي :

    ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه))[الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر]


    ووقته من زوال يوم عرفة من بعد الظهر ؛ إلى قبيل طلوع الفجر من يوم النحر، هذا الفرض الثاني، فالإحرام هو الفرض الأول، و الوقوفُ بعرفة هو الفرض الثاني.


    3 ـ طواف الزيارة :


    الفرض الثالث ؛ طواف الزيارة، فالطواف سبعة أشواط، أربعة منها فرضٌ، و طواف الزيارة هو طواف الركن، بعدَ أن يأتيَ الحاجُّ من عرفات إلى مزدلفة إلى رمي الجِمار، يتوجَّه إلى الكعبة ليطوف طواف الركن، هذا الطواف أحدُ أركان الحج، أيضًا الطوافُ في وقته حول الكعبة، قال تعالى:

    ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ﴾[سورة الحج: 29]


    الترتيب بين الفرائض :

    ويلحق بهذه الفرائض الترتيبُ بين الفرائض، فهل يُعقَل أن الإنسانَ يقف في عرفات قبل أن يحرِم؟ هذا مستحيل، إذًا لا بد الترتيب بين الفرائض، فالإحرامُ أولاً، والوقوف بعرفة ثانياً، والطواف حول الكعبة ثالثاً، بهذا الترتيب، والترتيب جزءٌ أساسيٌّ من أركان الحج.
    الآن مما يكفي في أركان الحج أن يُؤدَّى كلُّ فرض في وقته و مكانه، كلُّ فرض من فرائض الحج له وقتٌ مخصوص و مكان مخصوص، لذلك قالوا في تعريف الحج: هو عبادة بدنية مالية مكانية زمانية روحية، فالوقوف بعرفة وقتُه كما ذكرنا من زوال يوم عرفة إلى قبيل فجر يوم النحر، و المكانُ أرضُ عرفات، و وقتُ الطواف بعد فجر يوم النحر وإلى آخر العمر، و لو أخَّره لكان طوافُ الركن مقبولاً، ومكانه المسجدُ الحرامُ، و حول الكعبةِ.
    فهذه الفرائض لا يصِحُّ الحجُّ إلا بوجودها جميعاً، فلو ترك الحاجُّ واحدًا منها لم يصحُّ حجُّه، سواء أكان هذا التركُ عن عمْدٍ أو عن سهوٍ أو عن خطأٍ أو عن جهلٍ، فالأمرُ سِيَانِ، ولو ترك أحدَ هذه الفرائض عامدًا أو ساهيًا أو مخطِئًا أو جاهلاً، في كلِّ هذه الأحوال بطُل حجُّه، و هنا سؤال: إذا ترك هذه الأركان، شتَّان أن يتركها عامدًا أو ساهيا أو مخطئاً أو جاهلاً؟ نجيبه : إن الإنسانَ يكسب الإثمَ بحسب نوع هذا الترك، فإثم الذي يتركها عمدًا كبيرٌ، و الذي يتركها ساهياً أو مخطئاً فهي أقلُّ، لكن بأيَّ‍ة حال إن كان هذا التركُ عمداً فالحج باطل، أما الإثم فيتفاوت بحسب هذه الأسباب. ويضيف الإمام الشافعي رضي اللهُ عنه ركنا آخر للحج وهو السعيُ بين الصفا و المروة، وهو عند الأحناف واجب، وعند الشافعية ركن من أركان الحج، فعند الشافعية ؛ الإحرام، والوقوف بعرفة، وطوافُ الركن، والسعيُ بين الصفا والمروة، وعند الأحناف ؛ الإحرام، و الوقوف بعرفة، والطواف ؛ أيْ طواف الركن.
    فهذه الواجبات إذا ترك الحاجُّ أحدَها لا تُجبَر بدمٍ، فإنْ ترك طوافَ الزيارة، هل يذبح الهديَ ؟ لا، ذلك غير مقبول منه، فلا بد أن يقف بعرفة، ولا بدَّ أن يطوف طواف الركن فإن لم يفعل فحجُّه باطلٌ.


    واجبات الحج :


    1 ـ إنشاءُ الإحرام من الميقات المكاني :


    لكنَّ الواجبات إذا تركها الحاجُّ في الحجِّ تُجبَر بالدم، و من هذه الواجبات مثلاً ؛ إنشاءُ الإحرام من الميقات المكاني، ولو أن حاجًّا حديثَ عهدٍ بالحج، يحجُّ لأول مرة، وضع المناشف البيضاءَ في المحفظة، و صارت هذه المحفظة مع متاع الركاب إلى أسفل الطائرة، فلما ركب الطائرةَ وأعلن المُضيفُ مثلا أن الميقاتَ المكاني قد آنَ أوانُه، فطلب المحفظةَ ليأخذ منها المناسف، أين المحفظة الآن؟ فتجاوز الميقات المكاني من دون أن يحرم هذا واجب الإحرام، لذلك عليه دمٌ، أو أن يرجع إلى الميقات المكاني بعد وصوله إلى جدّة فيحرم برًّا ممكن، فإما أن يرجع إلى الميقات المكاني، وإما ان يجبر هذا الخطأ بدمٍ.
    ويمكن لك أن تحرم قبل الميقات من بيتك، و لكن هناك أخطاراً كبيرة، ربما أُلغِيت رحلةُ الطائرة فوقعتَ في بعض محظورات الإحرام، لذلك أنصح الأخوةَ الحجَّاج أن يحرموا من الطائرة، و أنصحهم مرةً ثانية أنه إذا انتظر الرُّكابُ أن يُعلَن عن الميقات المكاني، ربما سَهَا المكلَّف بالإعلان عن الميقات، فإذا تجاوزته بأمتار وقعتَ في مشكلة كبيرة، فبعد أن تُقلِع الطائرة بنصف ساعة أَحرِمْ، هذا أصحُّ شيءٍ، فلا تحرِم من البيت، ولا تحرم حتى تنتظر أن يُعلَن عن الإحرام، أَحرِم بعد إقلاع الطائرة بنصف ساعة.

    2 ـ تركُ لُبس المَخيط من الثيات للرجل :


    ومن واجبات الحج أيضًا تركُ لُبس المَخيط من الثيات للرجل، فلا ثياب مخيطة، بل هناك رداءٌ وإزارٌ، الإزارُ يضعه على وسطه، وهنا ملاحظة، إذا نزل الإزارُ عن سرَّته وقع في مشكلةٍ، لأن ما بين السُّرَّة و الركبة عورةٌ، فيجب أن يرتفع الإزارُ إلى ما فوق السُّرة، و أما الرداءُ فيُلقَى على الكتفين، والاضطباعُ فقط في أثناء الطواف، ويمكنُ أن تضع الرداءَ الثاني على كتفيك هكذا، و كشفُ الرأس للرجل، أي أن يضع الواحدُ قبَّعةً أو لفَّةً، لا يوجَد شيءٌ من هذا، يجب أن يكون الحاجُّ مكشوفَ الرأس، أما المرأةُ فعند مقابلتها للرجال تُسدِل على وجهها منديلاً، و تجافيه عن وجهها لئلاَّ يلتصق بوجهها، و في عهد النبيِّ عليه الصلاة و السلام لم يكن هناك اختلاطٌ بين النساء والرجال، فهنا كشفُ الوجه للمرأة مقبول، لكن إذا قابلت الرجالَ يجب أن تُسدِل المرأةُ منديلاً على وجهها، وتجافيه عن وجهها، وأن تبعدَه عنه، لذلك الأخوات المؤمناتُ يضعن على جبينهن قطعة من الورق المُقوَّى و بعدها يأتي المنديلُ بعيداً عن الوجه.

    3 ـ السعي بين الصفا و المروة :

    ومن واجبات الحج السعيُ بين الصفا و المروة في أشهر الحج، ويكون بعد الطواف، فإن سعى بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم أجزأَه ذلك، فإن لم يسعَ بعد طواف القدوم يمكنه أن يسعى بعد طواف الركن، لا بدَّ من السعيِ بين الصفا و المروة في أشهر الحج، و لا بدَّ من المشي فيه لمَن لا عذرَ له يمنعه، فلو ترك الحاجُّ المشيَ بلا عذرٍ أعاده، فإن لم يُعِده فعليه دمٌ، تجد أناسًا راكبين عرباتٍ، و يقولون: و اللهِ هذا أكثر راحةً لنا، إنما الراحةُ للمعذور، أما الإنسان الصحيح فيركب عربةً ليسعى بين الصفا والمروة فهذا غيرُ مقبول منه، فإن فعله فعليه دمٌ، هذا عند السادة الأحناف، أما عند السادة الشافعية فقالوا: يجوز الركوبُ مع القدرة على المشي، لكنْ هذا خلافُ الأولى، والأولى أن يمشيَ، أما عند الأحناف فعليه دمٌ، أي كما ترون تنوُّعُ الأحكام فيه رحمةٌ للمسلمين، واختلاف أمتي رحمة، واتِّفاقُ الأئمة حُجَّةٌ قاطعة، و اختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ.

    4 ـ الوقوف بعرفة من زوال شمس اليوم التاسع من ذي الحِجة إلى ما بعد الغروب :


    و من واجبات الحج الوقوف بعرفة من زوال شمس اليوم التاسع من ذي الحِجة إلى ما بعد الغروب، حيث يدرك الحاجُّ جزءًا من الليل، و النزول من عرفة مع الإمام أو نائبه، أي لا يخرج من عرفة إلا بعد شروع الإمام في الإفاضة.
    ومن واجبات الحج أيضاً الوقوف بمزدلفة.


    صورة المناسك و حقيقتها :


    أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه المناسك لها صورةٌ و لها حقيقة، صورتها أن تقف في عرفة ولكنَّ حقيقتها أن تصحَّ المناجاةُ، وصورةُ الوقوف في مزدلفة أن تقف في المكان والزمان المناسبين، ولكنَّ حقيقتها أن تكون قريباً من الله في مزدلفة، إنها اسمٌ على مسمًّى، وأن ترميَ الجِمارَ، وصورتُها أن ترميَ هذا المكان بالحصَيَاتِ، لكنَّ حقيقتها أن ترميَ الشيطانَ، وأن تحاربه إلى الأبد، وأن تعاديَه عداءً لا رجعة فيه، فكلُّ منسك من مناسك الحج له صورة يؤدِّيها الحاجُّ، ولا بدَّ من حقيقة في داخله يشعر بها، فإذا توافقت الصورة مع الحقيقة صحَّ الحجُّ، أما من أدَّى هذه المناسكَ وهو ليس في مستواها فهذا الحجُّ يحتاج إلى إعادةٍ، لأن الله سبحانه و تعالى ما أمرك أن تأتيَ إليه من بلادك البعيدة، و أن تترك أهلك وأولادَك وعملك، وتنفق النفقات الطائلة لتكون كالسَّائح، لا، بل أرادك أن تأتيَه طائعاً، و أن تأتيَه مُخبِتًا، ومنيباً، ومحبًّا، و مناجيًا، فلذلك هذه المناسك لا يعرف طعمَها إلا من ذاقها، و ذاق الأحوالَ التي يجب أن ترافق الحاجَّ في أثناء أدائها.

    5 ـ الوقوف بمزدلفة :

    والوقوفُ بمزدلفة ولو لحظةً بعد فجر يوم النحر، و قبل طلوع الشمس و المبيتُ ليلا سُنَّة عند الحنفية.

    6 ـ تأخير المغرب والعشاء إلى مزدلفة :

    ومن واجبات الحج تأخيرُ المغرب والعشاء إلى مزدلفة، ولو أذَّن المغربُ في عرفات لا ينبغي أن تصلِّيَ المغربَ، فالمغربُ و العشاءُ يُصلَّيان في مزدلفة على شكل جمعٍ، تصلي المغربَ أولاً، ثم العشاءَ ثانياً، والجمعُ بمزدلفة بين المغرب والعشاء جمعُ تأخيرٍ، بينما جمعُ صلاة الظهر والعصر جمعُ تقديم، لذلك جمعُ التقديم يحتاج إلى أذانٍ و إقامتين، بينما جمعُ التأخير يحتاج إلى أذان وإقامة واحدة، وعند السادة الأحناف من صلى المغربَ في الطريق أو بعرفة فعليه أن يعيد صلاةَ المغربِ مع العشاء جمعَ تأخيرٍ بمزدلفة.

    7 ـ رمي الجمار مرتباً في أيامها :


    ورميُ الجمار مرتِّبًا في أيامها، فرميُ الجمار أيضا من واجبات الحج، لئلا يؤخِّر رميَ كلٍّ منها إلى ثانيه من الأيام الثلاثة، أي إذا أخِّر رميَ الجمار إلى وقت آخر غير وقتها فقد ترك واجباً من واجبات الحج.

    8 ـ الحلق أو التقصير :

    الحلقُ أو التقصيرُ لشعر الرأس كلِّه أو رُبعِه، والحلقُ أولى للرجال، و التقصير أولى للنساء، والشرعُ الحنيفُ رحِم النساءَ حيث لم يأمرْهنَّ أن يحلقن رؤوسهنّ، فهذه رحمة من الله عز وجل، الحلق للرجال أولى، و التقصيرُ للنساء أولى.
    هذه ملاحظة، أحيانا يفقد الإنسانُ شعرَ رأسه، وتبقى مكانتُه هي هي، ولكن لم يُرَ في النساء امرأةً فقدتْ كلَّ شعر رأسها، هذه مِن رحمةِ الله بها، فهناك إلهٌ حكيمٌ، لأنَّ شعر المرأة جزءٌ من رأس مالها، فإذا فقدتْه كلَّه وقعتْ في أزمةٍ شديدة.
    والحلقُ أو التقصيرُ لشعر الرأس كلِّه أو ربعه، و يجب أن يكون في أرض الحرم أو داخل حدوده.
    بالمناسبة نحن عندنا المواقيتُ المكانية، ميقاتُ أهل الشام، ميقاتُ أهل العراق، و ميقاتُ أهل اليمن، و الميقاتُ من طرف جدَّة، لو وصلْنا خطوطًا بين هذه المواقيت المكانية نحصلُ على شكلٍ، و هذا الشكلُ يُسمَّى الحِلُّ، و الآن البيتُ الحرام له مواقيتُ خاصة به؛ التنعيم من جهة المدينة، و الجعرانة من جهة أخرى، و هناك مكانٌ من جهة الطائف، فهذه الحدودُ التي حول الحرم لو وصلنا بينها خطوطًا يصيرُ عندنا شكلان، شكلٌ يعبِّر عن المواقيت المكانية للبلاد المقدسة، و شكل آخر يعبِّر عن حدود الحرم، بين الحرم و بين المواقيت المكانية منطقة تُسمَّى الحِلُّ، ومَن يقتنِي كُتَيِّبًا عن الحج يرَ هذا الشكلَ، وهو الحِلُّ، وكلُّ منطقة لها ميقاتٌ، و الشكلُ الثاني للكعبة فيه مواقيتُ أيضًا، فهذه المنطقة التي حول الكعبة كلُّها حرَمٌ، و إذا قلنا يجب أن يحلق في الحرم، ليس معنى هذا في الكعبة ، أي في الحدود التي حول الكعبة، التنعيم باتِّجاه المدينة المنوَّرة، و الحُديبة باتِّجاه جدَّة، و الجعرانة باتِّجاه الطائف، هذه الأماكن حول الحرم، لذلك الحلقُ لشعر الرأس كلِّه أو ربعه يجب أن يكون في أرض الحرم، أو داخلَ حدوده، وفي أيام النحر بالذَّات، أوَّلُ يوم من أيام عيد الأضحى يُقال له: أوَّلُ أيام النحر، وثاني يوم: ثاني أيام النحر، وثالث يوم: ثالثُ أيام النحر، ثلاثة أيام للنحر بعد يوم عرفة، وهو ثاني يوم من أيام العيد أوّلُ أيام التشريق، وثالث يوم ثاني أيام التشريق، ورابعُ يوم ثالثُ أيام التشريق، فصار أولُ يومٍ يومَ النحر فقط، وآخرُ يوم يومُ التشريق فقط، واليومُ الثاني والثالث مشتركٌ بين النحر والتشريق، فالحلقُ يجب أن يكون في أرض الحرم أو داخل حدوده، و في أيام النحر،
    ويكون الحلقُ بعد رمي جمرة العقبة لمَن أفردَ الحج، وبعد الذَّبح للقارن والمتمتِّع، وبعد السعيِ في العمرة، فالحلقُ له ثلاثُ حالات ؛ بعد الرميِ للمُفرِد، وبعد الذَّبح للقارن والمتمتِّع، وبعد السعي في العمرة.

    9 ـ ذبحُ شاةٍ للقارن أو المتمتِّع :


    ومن واجبات الحج ذبحُ شاةٍ للقارن أو المتمتِّع، فالقارن الذي ذهب إلى البلاد المقدسة وأحرم بعمرة وحجٍّ، وتابع بينهما مُحرِماً، أي وصل قبل عشرة أيام فأحرم بعمرة و بقي محرما إلى أن جاءتْ أيامُ الحج، فهذا قارن، فعليه هديُ شكرٍ، أمَّا المتمتِّعُ فذهب إلى مكة وأنشأ عمرةً ثم تحلَّل من ثياب الإحرام وبقي إلى أن جاء ميقاتُ الحج، فأحرم من مكة و تابع الحجَّ، فهذا متمتِّع، يجب عليه هديُ جبرٍ، والقارنُ عليه هديُ شكرٍ، بينما المفرِد لا هديَ عليه، إذًا ذبحُ شاةٍ للقارن و المتمتِّع لقوله تعالى:

    ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾[سورة البقرة: 196]

    أما المفرِد فلا يجب عليه الذَّبحُ بل يُسنُّ، ومن سنن الحج أن يذبح المفرِدُ، أما لو ترك الذَّبحَ فلا شيءَ عليه، أما الذَّبحُ للمتمتِّع فواجبٌ، و لو تركه وقع في مخالفة كبيرة، و يجب أن يكون الذبح قبلَ الحلق، وأن يكون الذبح في أيام النحر حصرًا، لأنه دم شكرٍ على توفيقه على أداء نسُكَيْ الحج و العمرة، فلا يجوز تقديمه على يوم النحر.

    10 ـ الترتيبُ بين الرمي و الذبح و الحلق :


    ومن واجبات الحج أيضا الترتيبُ بين الرمي و الذبح و الحلق، فيرتِّب القارنُ والمتمتِّعُ بينهما، بأن يفعل الرميً أوَّلاً، ثم يذبح، ثم يحلق، أما المفرِد فلا يجب عليه الذبح فيرتِّب بين الرمي و الحلق فقط.

    11 ـ طواف الوداع :


    و من واجبات الحج طواف الصدرِ، أو طوافُ الوداع مشيًا إلا من عذرٍ للآفاقي، و معنى الآفاقي الذي يقدُم للحج من بلاد بعيدة ، أما الذي مكانُه في الحلِّ ضمنَ المواقيت فلا عليه أن يطوف طواف الوداع، هو في البيت دائمًا، وطواف الوداع واجبٌ على الآفاقي، ويسقط على المرأة الحائض و النفساء، أما المرأةُ غيرُ الحائض فعليها طوافُ الوداع، لكنْ يُسنُّ للمرأة إذا أدركها الحيضُ و لم تطُفْ طوافَ الوداع، يُسنُّ لها أن تقف على باب الحرم و تدعو من الخارج.

    12 ـ إيقاع طواف الإفاضة في يوم من أيام النحر الأول أو الثاني أو الثالث :


    ومن واجبات الحج إيقاعُ طواف الإفاضةِ ؛ أي طواف الركن ؛ في يوم من أيام النحر الأول أو الثاني أو الثالث.

    13 ـ أن يكون الطوافُ مشيًا إلا بعذرٍ :


    ومن واجبات الحج أن يكون الطوافُ مشيًا إلا بعذرٍ، الكعبةُ أمامها يوجد قوسٌ مبنيٌّ، و ضمنَ القوس يُعدُّ داخل الكعبة، فلو طاف الإنسانُ بين الكعبة وهذا القوس فطوافُه باطلٌ، فيجب أن يطوف خلفه .

    14 ـ الطهارةُ في طواف الإفاضة من الحدث الأكبر و الأصغر :

    ومن واجبات الحج الطهارةُ في طواف الإفاضة من الحدث الأكبر و الأصغر، فلو طاف طواف الإفاضة جُنبًا أو حائضًا أو نفساء أثِم وعليه هديٌ، لأن الطوافَ صلاةٌ، والصلاة تحتاج إلى طهارة، لذلك فالمرأة أميرةُ الرجال في حالةٍ واحدة، حينما يأتيها حيضُها ولم تطُفْ طوافَ الركن، يجب أن ينتظرها أهلُها إلى أن تطهرَ، فهي أميرةٌ عليهم، افْعلي كلَّ شيءٍ إلاَّ أن تطوفي بالبيت، وإذا طاف الإنسانُ وهو غيرُ متوضِّئ فعليه شاةٌ، فالإنسانُ يختارُ، أيرجع ليتوضَّأ أم يذبح شاةً؟ على حسب الأسعار. أما طهارة الثوب والبدن والمكان فأكثرُ العلماء قالوا: إنها سُنةٌ، ومنهم من أوجبها.

    15 ـ ستر العورة :


    وسترُ العورة فيه واجب أيضًا، أي إذا أراد الإنسان أن يحُجَّ وارتدى ثياب الإحرام، فلا يليق بالحاج أن يتساهل في جلسته وقعدته، لأنه لو أن عورتَه كشفت لكان هذا قبيحًا به، فثياب الإحرام تحتاج إلى اتباهٍ شديد جدًّا، والإنسانُ حينما يرتدي ثيابًا مَخيطةً قد لا ينتبِه إلى أوضاعه في الجلوس والقعود، لكنَّ ثيابَ الإحرام تحتاج إلى انتباهٍ شديد.

    16 ـ ترك المحظور في كل طواف :


    ومن واجباتِ الحج تركُ المحظور في كلِّ طواف، والمحظورُ لُبسُ المخيط، وتغطية الرأس، والرَّفثُ، والفسوقُ، والجدالُ، وقتلُ الصيدِ، والإشارةُ إليه، والدلالةُ عليه كما سيمرُّ معنا في بحث الجنايات.

    17 ـ المبيت في منى ليالي الرمي :


    ومن واجبات الحج عند السادة الشافعية المبيتُ في مِنى ليالي الرمي، أما عند الأحناف فالمبيتُ في منى سنَّةٌ وليس واجبًا، و أن تطوف بدءًا من الحجر الأسود بعد أن تستلمَه، و أن يكون الطوافُ وراء حجر إسماعيل، و أن يكون مشيًا إلا من عذرٍ، وأن يتمَّ سبعةَ أشواط.
    إنّ حكمَ الواجبِ حكمُ الفرض، فإن تركتَ الفرضَ بطُل الحجُّ، أما حكمُ الواجب لو تركتَه للزمَ الجزاءُ، وهو ذبحُ شاةٍ أو سُبْع بدنةٍ، ، سبعة أشخاص يشتركون في ذبحِ جملٍ، أو سُبع بقرة، ولا يبطل الحجُّ بتركه سواء أكان سهوًا أو عمدًا أو خطأً أو نسيانًا، عالمًا بالوجوب أو جاهلاً، لكن العامدَ له إثمٌ كبير، أما النتائجُ فواحدةٌ، وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتحدَّث عن سنن الحج.

    * * *


    حكم دخول الحائض إلى المسجد :


    والآن إلى سؤالٍ كان قد وردني من أسابيع ثلاثة حول حكم دخول الحائض إلى المسجد و في الحقيقة أن رأيَ العلماء الأربعة السادةُ الأحناف و الشافعية و الحنابلة و المالكية لهم رأيٌ موحَّدٌ، و لهم تفصيلاتٌ بحسب مذاهبهم، فيحرم على الجنبِ، لماذا الجنبُ؟ لأن حكمَ الجنب و حكم الحائض و حكم النفساء واحدٌ، فيحرم على الجنب أن يباشر عملاً من الأعمال الشرعية الموقوفة على الوضوء، و كلُّ عمل موقوف على الوضوء يحرم على الجنب أن يفعله، من باب أولى إذا كان المحدِث حدثًا أصغر لا ينبغي له أن يفعله، فالمحدِث حدثًا أكبر من باب أولى أن يغتسل، فلا يحلُّ للجنب أن يصليَ نفلاً ولا فرضًا، إلا إذا فقد الماءَ أو عجز عن استعماله لمرضٍ، مما سيأتي في أبحاث التَّيمُّم طبعًا، أما الرجل فله أن يصوم فرضاً أو نفلاً وهو جنُب ثم يغتسل بعد الفجر، وصيامه يصحُّ، لكن المرأةَ لا ينعقد صيامُها حائضًا أو نفساء. ومن الأعمال الدينية التي لا يحلُّ للجنب فعلُها قراءةُ القرآن، على المذاهب الأربعة فيحرم عليه قراءة القرآن وهو جنُبٌ، كما يحرم عليه مسُّ المصحف من بابٍ أولى، فإذا كانت قراءته لا تجوز، فمسُّ المصحف من باب أولى، لأن مسَّ المصحف لا يحلُّ بغير وضوءٍ، و لو لم يكن الشخصُ جُنُبًا، فإذا كان جنُبا من باب أولى، و قد تحدَّثتُ عن هذا طويلاً في دروس سابقة، فلا يحلُّ مسُّه للجنُب من بابٍ أولى.
    أمّا موضوعُ سؤالنا، وهو دخولُ المسجد، فيحرم على الجنب أن يدخل المسجد، على أن الشرعَ الحنيفَ قد رخَّص للجنُب في تلاوة القرآن الشيءَ اليسير، وفي دخول المسجد بشروط مفصَّلة على المذاهب، و نحن سنأخذ رأيَ المذهب الحنفي في موضوع قراءة القرآن و دخول المسجد للجنُب.


    رأي المذهب الحنفي في موضوع قراءة القرآن و دخول المسجد للجنُب :


    السادةُ الأحنافُ قالوا: يحرُم على الجنُب تلاوةُ القرآن، قليلاً كان أو كثيرًا، إلا في حالتين؛ إحداهما: أن يفتتِح أمرًا من الأمور الهامة، كأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.

    ((فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ قَالَ أَقْطَعُ ))[ أحمد عن أبي هريرة ]


    فالبسملةُ مباحةٌ للجنُب، أن يُبسْمِل. ثانيها: أن يقرأ آيةً قصيرة ليدعوَ بها لأحدٍ، أو لٍيُثْنِي بها على أحدٍ، كأن يقول:

    ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾[ سورة نوح : 28]


    أو كأن يقول:

    ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾[سورة الفتح: 29]


    فيجوز له أن يقرأ بعضَ هذه الآيات، ويحرم على الجنب دخولُ المسجد إلا للضرورة، و ما هي الضرورة؟ منها ألا يجد ماءً يغتسل به إلا في المسجد، فلو أنّ ماءَ الغُسل موجودٌ حصرًا في المسجد وهو جنُبٌ فلا بدَّ له من دخول المسجد، أو أن يمُرَّ بالمسجد مرورًا إلى مكان ما ليغتسل، و مع هذا يجب عليه أن يتيمَّم قبل أن يمُرَّ بالمسجد.
    وهناك حالةٌ ثانيةٌ ؛ إذا كان العدوُّ يتبعه وكان جنُباً، فإذا دخل المسجدَ اتَّقى شرَّ العدوِّ رحمةً به، فيجوز للجنُب أو الحائض أو النفساء أن يدخلوا المسجد خوفاً من ضرر يلحقهم، فهذا رأي الأحناف في موضوع قراءة القرآن، ودخول المسجد للجنُب والحائض و النفساء.



    رأي المذهب الشافعي في موضوع قراءة القرآن و دخول المسجد للجنُب :


    أما رأيُ السادةُ الشافعية فيحرم على الجنُب قراءة القرآن و لو حرفًا واحداً، إن كان قاصداً تلاوتَه، أما إذا قصد الذَّكر أو جرى على لسانه من غير قصدٍ فلا يحرم، فلو أكل فقال: بسم الله، وهي آية، أو ركب دابَّته فقال:

    ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾[سورة الزخرف: 13]


    هذا ذكر. ويجوز لفاقد الطُّهورين أن يقرأ القرآن في صلاته التي أُبيحتْ له، فإن كان الإنسانٌ مسافرا وأدركتْه الجنابةُ في السفر، و لم يجد ماءٌ ليغتسل، أو ليتوضَّأ، فتيمَّم ودخل المسجدَ وصلى وقرأ القرآن، فيجوز ذلك، لأنّ هذا فاقد الطهورين، وله حكمٌ خاصٌّ، قال تعالى:

    ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ﴾[سورة النساء: 43]


    ففاقدُ الطهورين له حكمٌ خاصٌّ، وكذلك الحائض والنفساءُ، أما المرورُ بالمسجد فإنه يجوز للجنُب و الحائض و النفساء من غير مُكثٍ فيه و لا تردُّدٍ، بشرط أن يأْمَن من عدم تلوُّث المسجد، أي إذا لم توجد ثقةٌ أنه ربما يصيبٌ المسجدَ دمٌ، حتى هذا المرورُ لا يجوز، فالمرورُ مسموحٌ وبشرط أن يأمن تلويثَ المسجد، فلو دخل من بابٍ و خرج من بابٍ جاز عند الشافعية، أما إذا دخل و خرج من بابٍ واحدٍ لم يجُز، لأنه صار تردُّدًا، ويجوز للمحدِث حدثًا أكبرَ أن يمكث في المسجد للضرورة، كالأحناف تمامًا، كما إذا نام في المسجد فاحتلم وتعذَّر خروجُه، والبابُ مغلقٌ، وليس هناك حالة ثانية، أو خاف على نفسه أو ماله، لكنْ يجب عليه التيمُّمُ فورًا، بغير تراب المسجد إن لم يجد ماءً أصلاً، هذا رأيُ السادة الشافعية.



    رأي المذهب الحنبلي في موضوع قراءة القرآن و دخول المسجد للجنُب :


    أما الحنابلة فأسهلُ، قالوا: يُباح للمحدِث حدثًا أكبرَ بلا عذر أن يقرأ ما دون الآية القصيرة، فقد أجازوا أن تقرأ آيةً قصيرة وأنت جنبٌ، أو حائض، أو نفساء، أو قدْرها من سورة طويلة، كالعصر، و المعوذتين، ومن البقرة أوَّلَ آية، ويحرم عليه قراءةُ ما زاد على ذلك، وله أن يأتيَ بذكرٍ يوافق القرآن، كالبسملة عند الأكل، وعند الركوب:

    ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾[سورة الزخرف: 13]


    أما المرور بالمسجد والتَّردُّد فيه دون مُكثٍ فإنه يجوز، والمرور و التردد عند السادة الشافعية لا يجوز، وكذلك الأحنافُ، أما الحنابلة فأجازوا المرور والتردد، فإنه يجوز للجنب والحائض والنفساء حالَ نزول الدم إن أمِن تلويثَ المسجد أن تمرَّ به، وأن تتردَّد فيه، و يجوز للجنب أن يمكث في المسجد بوضوء، ولو من غير ضرورة، أما الحائض والنفساء فإنه لا يجوز لها المكثُ بالوضوء إلا إذا انقطع الدمُ، فإذا انقطع الدمُ يجوز لها أن تمكث في المسجد بوضوء هذا رأيُ السادة الحنابلة.




    رأي المذهب المالكي في موضوع قراءة القرآن و دخول المسجد للجنُب :


    بقيَ علينا رأيُ الماكلية. قال المالكية: لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآنَ إلا بشرطين؛ أحدهما: أن يقرأ ما تيسَّر من القرآن كآية و نحوها في حالتين؛ الحالة الأولى: أن يقصد التحصُّنَ من عدوٍّ، واجهَ عدواًّ، ربِّ اغفر لي ربِّ وارحمني، ذكَرَ آيةً قرآنية كقوله تعالى:

    ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾[سورة الفلق: 1-2]


    مثلاً إذا واجهَ عدواًّ، وذكرَ آيةً بنية التحصُّن بها من هذا العدوِّ جاز له ذلك عند الماكية. والحالة الثانية: أن يستدلَّ بها على حكمٍ شرعيٍّ في أثناءَ المناقشة، فذُكِر حكمٌ شرعيٌّ و قال له: هذا الحكمُ أساسُه هذه الآية، هذا ممكنٌ للجنب، أو الحائض، أو النفساء، وفيما عدا ذلك فإنه لا يحلُّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن ؛ كثيرًا كان أو قليلاً، أما دخول المسجد فإنه يحرمُ على الجنب أن يدخله ليمكُث فيه، أو ليتَّخذه طريقاً يمرُّ منه، و لكن يُباح له دخول المسجد في صورتين؛ الصورة الأولى: ألا يجد ماءً يغتسل منه إلا في المسجد، كالأحناف و الشافعية، و ليس له طرقٌ إلا المسجد، فحينئذٍ يجوز له أن يمرَّ بالمسجد ليغتسل، و الصورة الثانية: أن يخاف من أذًى يلحقه و لم يجدْ له مأوى سوى المسجد، فإن له في هذه الحالة أن يتيمَّم و يدخل و يبيتُ فيه حتى يزول عنه ما يخاف. أما إذا كان مسافرًا أو كان مريضاً وكان جنبًا ولم يتيسَّر له استعمالُ الماء فله أن يتيمَّم و أن يدخل المسجدَ ويصلي فيه بالتيمُّم، و لكن لا يمكث فيه إلا للضرورة، وإذا احتلم في المسجد فإنه يجب أن يخرج سريعًا، وإذا أمكنه التَّيمُّمُ تيمَّم.
    وكما ترون الأحكامُ كلها متشابهة، أي لا يجوز أن تقرأ من القرآن إلا في حالة الذكر البسملةُ والتعوذُّ، والاستدلالُ على حكم شرعي، لا يجوز أن تمكث في المسجد إلا في حالة الضرورة، هذا رأي الأئمة الأربعة في شأن قراءة القرآن ودخول المسجد للحائض و الجنب و النفساء.
    و على كلٍّ تعقيبًا على أحكام الشرع في شأن دخول المسجد، هذه الأحكام الشرعية المفصَّلة على المذاهب من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، صفحة (120) فمن أراد أن يستزيدَ فلْيرجعْ إلى هذا الكتاب، و إلى هذه الصفحاتِ.
    * * *


    أبو حنيفة النعمان :


    والآن إلى قصة من قصص التابعين، وقصَّةُ اليوم عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
    الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله تعالى، كان حسَن الوجه، وسيمَ الطَّلعة، عذبَ المنطق، حُلوَ الحديث، ليس بالطويل البائِن، ولا بالقصير الذي تنبو عنه العيونُ، وهو إلى ذلك لبَّاسٌ، أصلحوا رحالكم وحسِّنوا لباسَكم حتى تكونوا شامةً بين الناس، والنبيُّ الكريم كان يُعرَف بطيب المسك، و كان له ثيابٌ لا يلبسها إلا في المواسم، و عند حضور الوفود، فالأناقة في اللباس والنظافةُ مطلوبةٌ للمؤمن، وهو مع ذلك لبَّاسٌ، أنيقُ الثياب، بهِيُّ الطلعة، كثيرُ التَّعطُّر، ولكن ليس عطر المشايخ الثقيل، بل خفيف، إذا طلع على الناس عرفوه من طيبه قبل أن يروْه، ذلكم هو النعمانُ بنُ ثابتٍ، المُكنَّى بأبي حنيفةَ، أوَّلُ من فتقَ أكمامَ الفقه، و استخرج أروعَ ما فيه من طيوبٍ.
    أدرك أبو حنيفة طرفًا من آخر عصر بني أمية، و آخَرَ من أول عصر بني العبَّاس فكان مخضْرماً، فأدرك الأمويِّين و العبَّاسيين، و عاش في زمنٍ أغدق فيه الخلفاءُ و الولاةُ على أصحاب المواهب إغداقًا حتى صار رزقُهم يأتيهم رغدًا من كلِّ مكان، وهم لا يشعرون، ومن علامات تقدُّم الأمم أن العباقرةَ والموهوبين يعيشون في كرامة عالية، و من علامات تخلُّف الأمم أن الأذكياءَ و العباقرة دخلُهم أقلُّ دخلٍ في المجتمع، فعاش أبو حنيفة في زمن أغدق فيه الخلفاءُ و الولاةُ على أصحاب المواهب إغداقًا حتى صار رزقُهم يأتيهم رغداً من كلّ مكان و هم لا يشعرون، قال الشاعرُ:

    و لو كانت الأرزاقُ تجري مع الحِجا هلكْن إذًا من جهلهنَّ البهائمُ
    ***

    الحِجا: العقول.
    بَيْدَ أن أبا حنيفة أكرم علمَه و نفسَه عن ذلك، أكرم علمَه و نفسَه عن أن يأخذ من الأموال العامة، وحَزَم أمرَه على أن يأكل من كسب يمينه، وأن تكون يدُه هي العليا دائمًا، دعاه المنصورُ ذاتَ يوم إلى زيارته فلما صار عنده بالغ في إعظامه و إكرامه و التَّرحيب به، و أدنى مجلسَه منه، وجعل يُسائلُه عن كثيرٍ من شؤون الدين و الدنيا، فلما أراد الانصرافَ دفع إليه كيسًا فيه ثلاثون ألف درهم، على ما كان معروفًا من إمساك المنصور، ومع ذلك أعطاه ثلاثين ألف درهم، فقال له أبو حنيفة: يا أميرَ المؤمنين إني غريبٌ في بغداد و ليس لهذا المال موضعٌ عندي، و إني لأخشى عليه، فاحفظْه لي في بيت المال، حتى إذا احتجتُه طلبتُه منك،، فأجابه المنصورُ إلى رغبته، غيرَ أن الحياة لم تطُل بعدئذٍ بأبي حنيفة، فلما وافاه الأجلُ وُجِدتْ في بيته ودائعُ للناس تزيد على أضعاف هذا المبلغ، فلما سمع المنصورُ بذلك قال: يرحمُ اللهُ أبا حنيفة لقد خدعنا، و أبَى أن يأخذ منا شيئًا، بهذه الطريقة اعتذر.
    ومرةً قال له: يا أبا حنيفة لو تغشَّيْتَنا، أي لو تزورنا و تتردّد علينا، فقال: و لِمَ أتغشَّاكم و ليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ وكان أبو حنيفة رضي اللهُ عنه سريعَ البديهة، مرةً كان عند المنصور وكان أحدُ القضاة عدوًّا له لَدُودًا وأراد هذا القاضي أن يُحرِجَه، و أن يضعه في مأزِق، فقال: يا أبا حنيفة إذا أمرني الخليفةُ بقتل امرئٍ أَأَقتله أم أتريَّث ؟والخليفةُ جالسٌ، فقال له أبو حنيفة: الخليفةُ على الحق أم على الباطل؟ قال له: على الحق، قال: كُنْ مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيِّدَني فربطتُه، فكان سريعَ البديهة.


    جود أبي حنيفة و بره بالناس :

    وكان أبو حنيفة يوقنُ أنه ما أكل امرؤٌ لقمةً أزكى ولا أعزَّ من لقمةٍ ينالها من كسب يده، لذلك نجده يخصِّص شطرًا من وقته للتجارة، فقد جعل يتَّجِر بالخزِّ، و هناك قولٌ: و لو اتَّجر المؤمنون في الجنة لاتَّجروا بالخزِّ أي بالقماش، و لو اتَّجر الكفارُ في جهنم لاتَّجروا بالصَّرف أي صرفُ العملة، لقد جعل يتَّجر في الخزِّ وأثوابه، و كانت تجارتُه ذاهبةً آيبةً بين مدنِ العراق، لكنَّ الصرف له أحكام خاصة، و ليس مطلقًا، وأحياناً يضطرُّ الإنسان ليذهب إلى بلدٍ آخر أن يشتري العملةَ التي تروجُ هناك، فلا بدَّ من أناسٍ يقومون بهذا العمل، وهذا الموضوع ليس معناه أن هذا القول حكمٌ شرعيٌّ، الموضوع له حكمٌ مفصَّلٌ، و في وقتٍ آخر قد نبحثه إن شاء اللهُ، أما هذا فليس حكمًا شرعيًّا، كان له متجرٌ معروفٌ يقصِده الناسُ، و في هذا المتجر الصدقُ في المعاملة، والأمانةُ في الأخذ والعطاء، ولا ريبَ في أنهم كانوا أيضًا يجدون فيه الذَّوقَ الرفيعَ، وفيه الأقمشةٌ الحديثةٌ، واختيارُها جيَّدٌ، و لقد كانت تجارتُه تدُرُّ عليه خيرًا وفيرًا وتحْبوه من فضل اللهِ مالاً كثيرًا، فكان يأخذ المالَ من حِلِّه ويضعه في محلِّه، هذه عبارةٌ لطيفةٌ جدًّا، يأخذه من حِلِّه، أي في الحلال، ويضعه في محلِّه، فلقد عُرِف عنه أنه كلما حالَ عليه الحوْلُ أحصى أرباحَه من تجارته، واستبْقى منها ما يكفيه لنفقته ثم يشتري بالباقي حوائجَ القرَّاءِ و المحدِّثين، والفقهاء و طلاَّب العلم، وأقواتهم وكسوتهم، فحبَّذا المالُ أصونُ به عِرضي و أتقرَّب به إلى ربي، ويخصِّص لكلٍّ منهم مبلغًا من النقد العيني، ويدفع ذلك كلَّه لهم، ويقول: هذه أرباحُ بضائعكم أجراها اللهُ لكم على يدي، أي إنه اعتبر هذه الأموالَ أموالَ الفقراءِ، قال: هذه أرباحُ بضائعكم أجراها اللهُ على يدي، وهو أيضا لطيفٌ في إعطاء المال، وليس خذْ، خذْ هذا كسرتَ قلبَه، قال: هذه أرباحُ بضائعكم أجراها اللهُ على يدي، و اللهِ ما أعطيكم من مالي شيئًا، إنما هو فضلُ اللهِ عليَّ فيكم، هذه أموالُكم، فما في رزق اللهِ حولٌ لأحدٍ غيرِ اللهِ، قال: ولقد شرَّقتْ أخبارُ جودِ أبي حنيفة و سماحته وغرَّبتْ، وخاصَّةً مع جلسائه و أصحابه، من ذلك أن أحد جلسائه جاءه إلى متجره يومًا وقال: إنني بحاجةٍ إلى ثوب خزٍّ يا أبا حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما لونُه؟ فقال: كذا و كذا، قال: اصبِرْ حتى يقع لي فآخُذه لك، فما إن دارتْ الجمعةُ حتى وقع له الثوبُ المطلوبُ فمرَّ به صاحبُه فقال له أبو حنيفة: قد وقعتْ ليَ حاجتُك، و أخرج إليه الثوبَ فأعجبه و قال: كم أدفع لغلامك ثمنَه؟ قال: درهمًا، قال في استغرابٍ: درهمًا واحدا‍‍‍‍‍‍‍‍‍! قال: نعم، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا و اللهِ ما هزِئْتُ بأحدٍ قبلك ولا بعدك، و لا أهزاُ بأحدٍ وإنما اشتريتُ هذا الثوبَ و آخر معه بواحدٍ وعشرين، بعتُ الثوبَ الآخرَ بعشرين هذا الثوبُ أصبح ثمنُه عليك درهمًا واحدًا، و بقي عليَّ بدرهمٍ واحدٍ، وما كنتُ لأربحَ على جليسي، من مروءة الإنسانُ أن يراعيَ إخوانَه، فيشعر الأخُ أن له كرامةً عنده، و لو حفَّضتَ له خمسين بالمئة من الربح، يشعر أن له مكانة عندك، هذا من المروءة، جليسك، أخوك، قريبك، صاحبك،جاء لدكَّانك، فله سعرٌ خاصُّ، هكذا فعل أبو حنيفة، جاءتْه امرأةٌ عجوزٌ تطلبُ ثوبَ خزٍّ فأخرج لها الثوبَ المطلوب فقالت له: إنني امرأةٌ عجوزٌ و لا علم لي بالأثمان- بالأسعار - والنبيُّ الكريم قال: غبنُ المسترسِل ربًا، غبنُ المسترسِل حرامٌ " إذا كان الزبونُ غشيمًا، البائعُ المؤمن يخاف من الله، و يعطيه السَّعرَ الأدنى، والبائع الفاجر يجده مكسبًا كبيرا، فتكون عنده بضاعةٌ سيئة بسعر غالٍ، فيبيعها في فرح، فقالت: إنني امرأةٌ عجوزٌ و لا علمَ لي بالأثمان، و إنها أمانةٌ، فبِعْني الثوبَ بما قام عليك رأسَ ماله، وضِفْ إليه قليلاً من الربح- هامشًا قليلاً- فإنني ضعيفةٌ، فقال لها: إنني اشتريتُ الثوبَين الاثنين في صفقةٍ واحدة، بِعتُ أحدَهما برأس المال إلا أربعةَ دراهم، فَخُذِيه بهذه الدراهم الأربعة، و أعطاها أيضا الحدَّ الأدنى.
    وذاتَ يومٍ رأى ثيابًا رثَّة على أحدِ جلسائه من إخوانه، فلما انصرف الناسُ ولم يبق في المجلس إلا هو والرجل على انفرادٍ، قال له: ارفعْ هذا المُصلَّى، وخذْ ما تحته، فرفع الرجلُ المصلَّى فإذا تحته ألفُ درهم، قال: خُذها وأصلِح من شأنك، وغيِّر لباسَك، فقال الرجل: إنني موسِرٌ- أنا غنيٌّ- و قد أنعم اللهُ عليَّ، ولا حاجة لي بها، فقال له أبو حنيفة: إذا كان اللهُ قد أنعم عليك فأين أثرُ نعمته؟ هكذا، أنت موسِرٌ وغنيٌّ وتلبس ثيابًا رثَّةً، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، قال له: أمابلغك أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام يقول: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " فينبغي عليك أن تصلح من شأنك حتى لا تُذِمَّ صديقَك.
    وبلغ من جود أبي حنيفة و بِرِّه بالناس أنه كان إذا أنفق على عِيالِه نفقةً تصدَّق بمثلها على غيرهم من المحتاجين، أي إذا أتى لزوجته بثوب و كان ثمَّةَ أناس فقراء ينفق عليهم ما ينفق على أهله، وإذا اكتسى ثوبًا جديداً كسا المساكينَ بقدْر ثمنه، و كان إذا وُضِع الطَّعامُ بين يديه غَرَف منه ضعفَ ما يأكل منه عادةً، وأعطى الفقراءِ ثُلُثا الطبخة.
    و ممَّا يُروى أنه قطع على نفسه العهدَ ألاَّ يحلفَ باللَّهِ في أثناء كلامه أبدًا وإذا حلف تصدَّق بدرهم فضَّةٍ، هكذا عاهد نفسَه، ثم تدرَّج في الأمرِ فجعل على نفسه عهدًا إن حلف بالله صادقًا لَيتَصدَّقنَّ بدينارٍ من ذهبٍ، حتى يعوِّد نفسَه ألا يحلفَ أبدًا، فكان إذا حلف صادقًاً تصدَّق بدينارٍ.



    يتبـــــــع
     


  6. akram0938

    akram0938 مؤسس المنتدى الإدارة

    10,723
    1,367
    1,731

    سنن الحج :


    1 ـ الاغتسال عند الإحرام :


    أيها الأخوةُ المؤمنون ؛ لا زلنا مع دروس الحجِّ، و قد تحدَّثتُ بفضل الله و توفيقه في الدروس السابقة عن أركان الحج وواجباته، و بقيَ علينا السُّنن. نن الحج:
    فالسُّننُ كثيرةٌ، منها الاغتسالُ عند الإحرام، ولو لحائضٍ أو نفساء، مع آداب الاغتسال، ومن آداب الاغتسال تقليم الأظافر، وتقليمُ شعر الشارب، ونتفُ الإبط، وحلقُ العانة، وما شاكل ذلك، وإن لم يغتسل المُحرِمُ فعليه أن يتوضَّأ إذا أراد الإحرامَ، و على الرَّجُل أن يلبس الإزارَ و الرَّداءَ، و يُندَب أن يكونا جديدين أبيضين، أوغسيليْن، فإن لم يكونا جديدين أبيضين فينبغي أن يكونا غسيلين أبيضين، أي مغسولين غسيلاً جيِّدًا، و يُندَب التَّطيُّبُ قبله، باستعمال الطِّيب، و يُسنُّ للرجل و المرأة صلاة ركعتين بعد الإحرام، و الإكثارُ من التَّلبيةِ، لبَّيك اللهمَّ لبَّيك بعد الإحرام.


    2 ـ طواف القدوم :


    ومن سنن الحجِّ طوافُ القدوم، فطوافُ القدوم سنَّة، و طوافُ الإفاضة فرضٌ، وطواف الوداع واجبٌ، على كلِّ الحجَّاج أم على الآفاقيين؟ على الآفاقيين، والإكثارُ من الصلاة على النبيِّ صلى اللهُ عليه و سلم.

    3 ـ استلام الحجر الأسود :


    ومن سنن الحجِّ استلامُ الحجر الأسود، الاستلامُ إمَّا أن تقبّله، وإمَّا أن تستلمه بيديك، ثلاثُ حالات؛ إما أن تقبِّله، وإما أن تستلمه بيديك وتقبِّل يديك، وإما أن تشير إليه.


    4 ـ الاضطباع في جميع الأشواط للرجل فقط :


    ومن سنن الحج الاِضْطِباعُ في جميع الأشواط للرجل فقط في كلِّ طوافٍ بعده سعيٌ، كلُّ طواف بعده سعيٌ لا بدَّ من أن تضطبِعَ، أي أن تكشف كتِفَك الأيمنَ، و تضع الرداءَ تحت الإبط الأيمنِ، وتلقيه على الكتف الأيسر، هذا هو الاضطباعُ في الطَّواف الذي بعده سعيٌ.


    5 ـ الرّمل :


    ويُسنُّ أيضًا الرَّمَلُ، أي الهَرْوَلةُ في الأشواط الثلاث الأولى، أو من طواف الفرض أي طواف الرُّكن يُسنُّ أن تهرْوِل و لو لم يكن بعد هذا الطواف سعيٌ.


    6 ـ الهرولةُ بين المِيليْن الأخضرين للرجل فيما بين الصَّفا و المروة :


    ويُسن أيضاً الهرولةُ بين المِيليْن الأخضرين للرجل فيما بين الصَّفا و المروة، في كلِّ شوط من أشواط السعي، و يسنُّ أن يمشيَ الساعي في باقي الأشواط.


    7 ـ الإكثار من الطواف للآفاقي :


    و يسن الإكثارُ من الطَّواف للآفاقي، أي إنَّ بيتَ اللهِ الحرام تحيَّتُه الطواف، بينما أيُّ مسجد آخر تحيَّته صلاة ركعتين.


    8 ـ الخروجُ من مكةَ إلى منى بعد طلوع شمس اليوم الثّامن من ذي الحجة :


    و يسنُّ أيضاً الخروجُ من مكةَ إلى منى بعد طلوع شمس اليوم الثّامن من ذي الحجة، لأن المبيتَ بمنى يوم الثامن من ذي الحجة لليوم التّاسع هذه سنَّة، لذلك حجَّاجٌ كثيرون يتوجَّهون من مكةَ إلى عرفاتٍ مباشرة، ولا شيءَ عليهم، لكنَّ السُّنة أن يبيت الحاحُّ في منى، و أن يصلِّيَ فيها خمسَ صلواتٍ ؛ الظهر و العصر و المغرب و العشاء من اليوم الثامن، والفجر في اليوم التَّاسع، وبعدها يتوجَّه إلى عرفات، و من السُّنة أيضا المبيتُ بمنى في أيام الرجْم، فعند السَّادة الأحناف المبيتُ بمنى سنَّةٌ، فمن تركها فلا شيءَ عليه، لكنَّه عند السادة الشافعية المبيت بمنى واجب، فمن ترك المبيتَ بمنى فعليه دمٌ.


    9 ـ الخروج من منى بعد طلوع شمس اليوم التاسع إلى عرفات و الدعوة بالأذكار :


    ومن السنة أيضا الخروج من منى بعد طلوع شمس اليوم التاسع إلى عرفات، و الأذكارُ في مواضعها، فيُسنّ أن تدعوَ بالأذكارِ التي أُثِرت عن النبي عليه الصلاة و السلام في مواضعها.


    10 ـ دخول الكعبة :

    و من السُّنة أن تدخل الكعبة، وهذا ليس مُتاحا الآن، لكنَّ العلماءَ قالوا: أن تصليَ ركعتين في حِجْر إسماعيل، فهذه تُجزئ عن دخول الكعبة، لأن ما بين الكعبة والحِجر هو مِن الكعبة، لذلك لا يجوز الطوافُ فيما بين الكعبة و بين حِجر إسماعيل، الطوافُ يُعدُّ باطلاً، لأن ما بين الكعبة و الحجر من الكعبة نفسها، فمن صلّى في هذا المكان ركعتين فكأنما صلَّى في الكعبة و دخلها.

    11 ـ المحافظة على الطهارة في كلِّ مناسك الحج :


    ومن السنة أيضا المحافظة على الطهارة في كلِّ مناسك الحج، و المحافظة على صون اللسان من المباح، أي الحديث عن الدنيا، وعن أسعار العملات، وعن أسعار الحاجيات، وأن هذه المسجِّلة لا يوجد منها في الشام، و ما أجملها، هذا الحديث عن الحاجات و البضائع و الانهماك فيها ليس من السنة.


    12 ـ صون اللسان عن المكروه :

    ومن السنة أن تصون لسانَك عن المكروه، أما صونُ اللسان عن المكروه تحريمًا فواجبٌ، أي إذا تحدَّث الإنسانُ عن النساء، أو تحدَّث عن مقدِّمات الجماع فعليه دمٌ، لأن الحديث عن هذا الموضوع خرقٌ لمحظورات الإحرام، أما تنزيه اللسان عن المكروه تحريماً فواجبٌ، و إنما تنزيه اللسان عن المكروه تنزيهاً سنَّةٌ.

    13 ـ المبيتُ بمزدلفة ليلة النحر :


    المبيتُ بمزدلفة ليلة النحر وهذا من السنة أيضاً، ولكنَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام أجاز للنساء والضَّعفة أن ينطلقوا إلى رمي الجمرة الكبرى بعد منتصف الليل، و أن ينطلقوا إلى طواف الركن قبل الفجر، أي إذا كان أخٌ حاجٌّ ومعه نساءٌ فالأولى أن ينطلق بهن من مزدلفة بعد منتصف الليل ليتَّقيَ بهذا الوقت الازدحامَ الشديد الذي لا يرضي اللهَ عز وجل، كأن تكون المرأةُ بين الرجال صدرًا لظهر، وكتفًا بكتف.


    14 ـ رمي جمرة العقبة الكبرى :


    و من السنة أيضا أن يكون الرميُ في اليوم الأول ما بين طلوع الشمس و زوالها من يوم النحر، إلا إذا خاف شدَّةَ الزِّحام، و فيما بين الزوال و غروب الشمس في باقي الأيام، ثلاث مرات، هناك رميُ جمرة العقبة الكبرى، هذه تُسنُّ فيما بين طلوع الشمس وبين الزَّوال من أول أيام النحر، وأما باقي أيام الرجم فتُسنُّ من بعد الزوال إلى الغروب، لكنْ من كان معه نساءٌ يجوز أن يرميَ بعد منتصف الليل.

    15 ـ تقديم الحاجّ المفرِد هديًا :


    ومن السنة أيضاً أن يقدِّم الحاجُّ المفرِدُ هديًا، والهديُ على المتمتِّع واجبٌ، وهو هديُ جبْر، والهديُ على القارن واجب، وهو هدي شكر، لكنَّ الهدي على المفرِد سنة، فمن تركه فلا شيء عليه، و من السنة أيضاً أن تأكل من الهدي، ولك أن تأكل أيضًا من هدي القران و التَّمتُّع أما هديُ الجنايات فلا يُؤكَل منه، فإذا ارتكب الإنسانُ جناية و لزِمه هديٌ، فلا ينبغي أن يأكل منه الحاجُّ.


    16 ـ الشرب من ماء زمزم :


    ومن السنن الشُّربُ من ماء زمزم، و المبالغة فيه، أي التَّضلُّع، وهو الارتواءُ و الامتلاء، و ليس مصَّة، بل يجب أن تشرب من هذا الماء وأن ترتويَ منه، وهذا هو التَّضلُّع.


    17 ـ التِزامُ المُلتَزَم :


    ومن السنة أيضا التِزامُ المُلتَزَم، وهو ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة، و قد أُثِر عن النبيِّ صلى اللهُ عليه و سلم أنه: " ما من مسلم يقف في هذا الملتزم فيسأل الله حاجةً من حاجات الدنيا و الآخرة إلا أعطاه اللهُ إيَّاها".


    18 ـ التَّشَبُّث بأستار الكعبة :


    ومن السنة أيضا التَّشَبُّث بأستار الكعبة، أي أن تمسك بأستار الكعبة كالمتضرِّع المستجير، الملتجئ المستغيث بالله عز وجل.

    19 ـ رفع الصوت بالتلبية :


    ومن السنة أيضاً رفع الصوت بالتلبية، بما لا يضرُّ النفسَ، ولا يؤذي الناسَ لغير المرأة، لأن رفعَ صوتها قد يؤدِّي إلى الفتنة، و نساءٌ كثيراتٌ في الحجِّ لا ينتبهن إلى هذه الحقيقة يرفعن أصواتهن بالدُّعاء و التلبية، و أصواتهن عورة، و في هذا إيذاءٌ للحجَّاج.


    20 ـ الاغتسال لدخول مكة المكرمة ومزدلفة :


    ومن السنة أيضاً الاغتسال لدخول مكة المكرمة ومزدلفة، لمن نزل بهما من الحجَّاج.


    21 ـ الجمع بين صلاتي الظهر و العصر جمع تقديم بعرفة مطلقاً :


    و من السنة الجمع بين صلاتيْ الظهر و العصر جمع تقديم بعرفة مطلقاً، كما هو عند أبي يوسف ومحمد.

    22 ـ الصلاة في عرفة وراء أمير الحج :

    ومن السنة أن تصلِّي في عرفة وراءَ أمير الحجِّ، كما هو عند أبي حنيفة، لا أن تصلِّي مفرَدًا .

    23 ـ الإكثارُ من الدعاء عند جبل الرحمة :


    ومن السنة الإكثارُ من الدعاء عند جبل الرحمة، عند الصخَرات المفروشات، مكان وقوف النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فإن هذا اليوم يومٌ عظيمٌ، والدعاءُ فيه جديرٌ بالإجابة بفضل الله تعالى.

    24 ـ أن يكون طوافُ الإفاضة في اليوم الأول من أيام النحر :


    و من السنة أن يكون طوافُ الإفاضة في اليوم الأول من أيام النحر، تلك هي الفرائض، وبعدها الواجبات، وبعدها السُّننُ، من لم يأت بالأركان المفروضة بطُل حجُّه، عليه أن يحجَّ في العام القادم، لقول الله تعالى:

    ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[سورة البقرة: 196]


    ومن وقع في مخالفة بعض الواجبات لزمه دمٌ، و من ترك السنة فلا شيءَ عليه، لكنه أساءَ، إلا إذا كان في تركها ترخيص من النبيِّ عليه الصلاة والسلام في بعض الحالات الخاصة فيكون تركُها في هذا الموطن أولى من الأخذ بها، كَمَنْ معه نساءٌ، فإذا أخذ بالرخصة فربما كان هذا أيسر لحجِّه وحجِّهن.



    أحكام المرأة المتعلِّقة بالحج :


    وهنا موضوعٌ قصيرٌ متعلِّق بهذا الموضوع الكبير، وهو الأحكام الخاصَّة بالنساء، كنتُ أرى في الحجِّ في العام الماضي النساءَ يُهَرْوِلْن، هذا مخالفٌ للسنة، فالمرأة لها أحكامٌ خاصَّة، فالمرأة كالرجل في أعمال الحج و لا تخالفه إلا في أشياء قليلة، ترجع إلى تحقيق الفرق الخِلْقي، أي الطبيعي، بين الرجل و المرأة، لقوله تعالى:

    ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾[ سورة آل عمران: 36]

    فإذا قلنا للرجل: اِلبِسْ ثيابَ الإحرام، ثوبان أو رداءان، رداءٌ و إزارٌ غير مخيطين فهذا لا ينبغي للمرأة، وإذا قلنا للرجل: هَروِل، هذا لا ينبغي للمرأة، فالمرأة لا تتطيَّب عند الإحرام، لأن تطيُّبها حين يجد الرجالُ ريحَها محظور، إذًا يُلغَى من السنن التي على الرجل الطِّيبُ للنساء، و المرأة لا ينبغي أن ترتديَ ثياب غيرَ مخيطة، لأن هذه الثيابَ قد تكشف بعض مفاتنها، لذلك لا تلبس المرأةُ ثيابًا معيَّنة للإحرام، و إنما إحرامُها أن ترتديَ ثيابًا مخيطة، وكلّما بالغت المرأةُ في ارتداء ثيابٍ فضفاضةٍ ومزدوجة، كان هذا أبلغَ في ورعها، وأقربَ إلى ربها، وهذا مما يليق بالمرأة المسلمة إذا ذهبت إلى الحج، لا أن تكون مصدرَ فتنة و إيذاءٍ للحجَّاج. قال العلماءُ: و المستحبُّ أن تُسْدِل المرأة على وجهها شيئًا، أي نِقابًا و تجافيه عنه، لذلك بعضُ الأخوات المؤمنات يضعن على رؤوسهن واقيةً، فإذا أسدلن الحجابَ على وجوههن كان بعيدًا بحيث تطبِّقْن بهذا السنةَ، و الدليلُ ما فعلته السيِّدةُ عائشةُ رضي اللهُ عنها، و ما فعلته نساءُ النبيِّ عليه الصلاة

    ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ))[ أبو داود عن عائشة ]

    و هو حديث صحيح، والعلماءُ قالوا: يُستحبُ للمرأة أن تسدل على وجهها شيئًا تجافيه عنه، وقد دلَّت المسألةُ وهذا الحديثُ على أن المرأة منهية على إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة، أي إذا قلنا: إن المرأةَ يجب أن تصلّيَ مكشوفة الوجه، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنه يجب أن تصلِّي في مكان ليس فيه رجالٌ أجانب، فكشفُ الوجه في الصلاة لا يعني أن الوجه يُباح أن يظهر مطلقًا. ولا ترفع المرأةُ صوتها بالتلبية، لما في رفع صوتها من خوف الفتنة، و لذا لا يجوز للمرأة أن تؤَذِّن للصلاة كما تقدَّم، فإذا كانت المرأةُ لا يجوز أن تؤذِّن، فكيف إذا غنَّت؟! وإذا كان لا يجوز أن يستمع الرجل إلى صوت المرأة و هي تسبِّح اللهَ و تكبِّره، فكيف إذا استمع إليها و هي تغنِّي؟! ولا تضطبع المراةُ أبدًا، ولا ترمُل في طوافها، ولو كان المطافُ خاليًا، فالرجلُ أحيانا ليس في إمكانه أن يرملَ للازدحام الشديد، ولا يستطيع أن يطوف طواف الإفاضة فمستحيل على المرأة أن ترملَ، و لو أن الحرمَ خالٍ لا يجوز للمرأة أن ترمل في طوافها، ولا في سعيها، و أكثرُ الملاحظات التي ألاحظها في السعي بين الصفا و المروة أنّ الرجل يمشي مع زوجته، فلمَّا وصلا إلى الميلين الأخضرين هرولا جميعا، أين تهروِل معك؟ هذه امرأتك يجب أن تسير على هِناتها، وأن تسبقها أنت في ما بين الميلين الأخضرين حتى تلحق بك أما أن تهرول معك فهذا مخالفٌ للسنة، و قد قال عليه الصلاة و السلام: "تفقَّهوا قبل أن تحجوا".
    ولا تقبِّل المرأةُ الحجر الأسودَ إن كان ثمة زحام، وأحياناً تدخل المرأةُ بين الرجال من أجل تقبيل الحجر الأسود، فتخرج من بينهم ولا شيءَ على رأسها، أين الفقه؟ فلا ينبغي للمرأة أن تقبِّل الحجرَ الأسودَ إن كان ثمةَ زحامٌ، و لا تكلِّف نفسَها استلامَه، ولا تصلِّي في أثناء الزحام خلف مقام إبراهيم، بل عليها أن تصلي في أيِّ مكان آخر، على أن يكون خلفها جدارٌ أو عمودٌ، أو ساريةٌ، أما أن تصلي خلف مقام إبراهيم، والزحام على أشُدِّه، فليس هذا من الفقه في شيء.

    وفي الجملة اختلاطُ المرأة بالرجل حرام، ولاسيما في الحج، لأن هذا مبعثٌ للفتنة وعلى المرأة أن تتحيَّن أوقاتَ خفَّة الزحام لطوافها، تنتقي الفجر، قُبيل الفجر بساعتين، أو الساعة الثانية، أو منتصف الليل، أو الساعة الثالثة بعد الظهر، عليها أن تنتقيَ وقتًا يقلُّ فيه الزحامُ لئلَّا تؤذِي وتُؤذَى، كما كانت تفعل السيدةُ عائشة رضي اللهُ عنها.

    و يُسنُّ للمرأة أن تجعل طوافها بعيداً عن الكعبة المعظَّمة، لأن القربَ من الكعبة مظنَّةُ ازدحامٍ، تحرُّزا من الازدحام مع الرجال، و لا تهرول بين الميلين الأخضرين في السعي بين الصفا والمروة، و لو كان المسعى خاليًا، ويجوز لها تركُ المبيت في مزدلفة، لأنها امرأة، و من أجل أن يُيَسَّر لها رميُ الجمار في وقتٍ غيرِ مزدحمٍ، و يجوز لها تركُ الوقوف عند المشعر الحرام لأنوثتها، فقد قدَّم النبيُّ عليه الصلاة و السلام بين يديه النساءَ و الضَّعفةَ من أهله، حيث ذهبوا إلى منى و لم يبيتوا بمزدلفةَ، هكذا الفقهُ، فإذا كانت معك زوجتُك افعلْ هكذا. و الأفضلُ في حقها تأخيرُ الرمي يوم النحر إلى ما بعد الزوال، لتنافي شدَّة الازدحام و لو في آخر النهار خوفاً عليها و سترًا لها.

    والفرقُ الدقيق بين المرأة والرجل في شؤون الحج الاستطاعةُ، فلا فرقَ في وجوه الاستطاعة بين الرجل والمرأة إلا في ثلاثة أمور؛ الأول: أن يرافقها في سفرها زوجُها، أو أحدُ محارمها، و هو ممن لا يجوز له أن ينكحها أبدًا، فزوجُ أختها يجوز له أن ينكحها إذا ماتت أختُها، ويجوز له أن ينكحها إذا طُلِّقت أختُها، إذًا هذا ليس بمحرمٍ، فلا ينبغي إلا أن يكون المَحرمُ مُحَرَّمًا لها على التأبيد، ومع ذلك يجب أن يكون مأمونًا بالغاً عاقلاً غيرَ فاسق، لو أن لها أخاً فاسقاً لا يجوز أن يكون مَحرماً، قد تكون الأختُ موسِرةً و كلَّفت أخاها، و دينه رقيق، أن يذهب معها كمَحرم، هذا قد يؤذي الحُجَّاج، و قد لا يهتم بصونها، لذلك فضلاً عن أنه يجب أن يكون زوجاً أو محرماً على التأبيد، يجب أن يكون هذا المحرمُ بالغاً عاقلاً غيرَ فاسق، و لا فرق في هذا بين العجوز و الشاب، تقول العجوز: أنا ما بقيَ لي شيءٌ يلفت النظر، من قال لكِ ذلك قد تجدين شيخًا عجوزًا تلفتين نظرَه، و لا فرق في هذا بين العجوز و الشاب، فيُكرَه تحريماً على المرأة أن تحُجَّ بغير مَحرم و إن لم تجد المرأةُ زوجًا أو مَحرمًا فهي في نظر الشرع غير مستطيعة، فاستطاعةُ الرجل بتوافر المال؛ الراحلة و الزاد و المال و الصحَّة، واستطاعة المرأة بتوافر المال و الزاد و الراحلة و الصحَّة و المَحرم، فالمرأةُ التي لا مَحرمَ لها لا حجّ عليها.

    ويجب أن تكون المرأةُ غيرَ معتدَّةٍ بأيَّة عِدَّةٍ كانت، من طلاق أو وفاة، فإن حجَّتْ في العدَّة كانت عاصيةً آثمةً، قال: المعتدَّة في عدَّة طلاق أو وفاة لا حجَّ عليها، ويجب أن تكون قادرةً على نفقتها ونفقة المحرم، لأنها من مُؤَنِ حجِّها، فإذا كلَّفت أخاها أن يذهب معها، و كان رقيق الحال يجب أن تنفق عليه، أما إذا كلَّفت زوجَها أن يحجَّ معها على أنه محرمٌ لها، فعليها أن تنفق عليه نفقات الحجِّ، أما نفقاتُ الطعام والشراب التي عليه في الإقامة فتبقى عليه في الحجِّ هكذا العدلُ، أمَّا أن تكلّفه أن يدفع بطاقة الطائرة، عشرة آلاف، فهذه عليها إذا أرادت أن تحُجَّ ومعها زوجُها.

    إنّ حيْضُ المرأة أو نفاسُها لا يمنع شيئاً من أعمال الحج، إلا الطواف، فقد تكون حائضاً وتذهب إلى عرفات، فلا يمنع الحيض والنفاس شيئاً من أعمال الحجِّ، تُحرِم وهي حائضٌ، تُلبِّي و هي حائضٌ، إلا الطواف و دخول المسجد الحرام، فإن طافت و هي حائض أو نفساءُ صحَّ طوافُها عند الحنفية و عليها بُدْنة، حوالي أربعين إلى خمسين ألف ليرة، البدنة جملٌ، و إن أخَّرت الطوافَ حتى تطهر فلا يلزمها شيءٌ، وهذا في طواف الركن، حتى تطهر فلا يلزمها شيءٌ، أما الإمام الشافعي رضي اللهُ عنه فيقول: لا يصحُّ الطوافُ من الحائض و النفساء .

    (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ؟ قَالَ: لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ))[ البخاري عن عائشة ]

    من أحكام المرأة أنه إذا أخذ أهلُها أو محرمُها أو زوجُها في الرَّحيلِ و هي حائضٌ أو نفساءُ سقط عنها طوافُ الوداع، و لا يلزمها شيءٌ، لكنَّ العلماءُ قالوا: يُستحبُّ لها أن تقف بباب الحرم و تدعو قبل أن تغادر هذه البلاد. ويسن لها تقصيرُ الشَّعر، فقط فقد روى ابنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنه عن رسول الله صلى اللهُ عليه و سلم أنه قال: "ليس على النساء حلْقٌ إنما على النساء تقصير " وهذا رحمةً بهن.
    هذه أحكام المرأة المتعلِّقة بالحج، و قد أنهينا الفروض و الواجبات و السُّنن و الأحكام المتعلِقة بالمرأة.
    * * *


    صفات أبي حنيفة النعمان :


    والآن نشدُّ رحالنا إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، لقد كان أبو حنيفةَ رحمه الله تعالى طيِّبَ المعاشرة .

    (( وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:َ الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ ))[ أحمد عن أبي هريرة]


    كان طيِّب المعاشرة، حُلوَ المؤانسة، يسعد به جليسُه، و لا يشقى به من غاب عنه ولو كان عدوًّا له، حتى قال أحدُ أصحابه: سمعتُ عبدَ الله بن المبارك يقول لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبو حنيفةَ عن الغيبةِ؟ فإني ما سمعتُه يذكر عدوًّا له بسوءٍ قط، فقال له سفيانُ: يا أبا عبد الله إن أبا حنيفةَ أعقل مِن أن يسلِّط على حسناته ما يذهبُ بها.

    وكان أبو حنيفة رحمه اللهُ تعالى كلِفًا، أي محِبًّا، يحبُّ أن يقتنص وُدَّ الناس، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام هكذا يقول، فرأسُ العقل بعد الإيمان التَّودُّدُ إلى الناس، وكان حريصًا على استدامة صداقتهم، فقد عُرِف عنه أنه ربَّما مرَّ به الرجلُ من الناس فقعد في مجلسه من غير قصدٍ و لا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقةٌ وصله، وإن كان به مرضٌ عادة، و إن كانت له حاجةٌ قضاها، حتى يجُرَّه إلى مواصلته جرًّا، هذه هي الأخلاق، فإذا جلس شخصٌ معك اِسألْ عنه، و عن عمله، لعلَّه يحتاج إلى مساعدة، و لعلَّه مريضٌ، و الدواء عندك، لعلَّه يحتاج إلى معونة، إلى تخفيف، إلى تصبير، فالإنسان حينما يلتقي مع الناس يصبح لهم عليه حقٌّ، فكان هذا الإمام العظيم في جلسةٍ طارئة عابرةٍ غير مقصودة إذا التقى مع شخص عرَضًا سأل عنه، ما اسمُه، و ماذا يعمل، و أين يسكن، فإن كانت به فاقةٌ وصَله، أو فقيرًا أعطاه، و إن كان به مرضٌ عاده، و إن كانت له حاجةٌ قضاها، حتى يجرَّه إلى مواصلته جرًّا، حتى يصير من إخوانه بهذه الطريقة، و قد كان أبو حنيفة قبل ذلك كلِّه و فوق ذلك كلِّه صوَّام النهار، قوَّام الليل، خديمًا للقرآن، أي صديقًا، مستغفرًا بالأسحار، و كان من أسباب توغُّله في العبادة و اندفاعه فيها له قصة، فقد أقبل ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون إن هذا الرجل الذي ترونه يقوم الليل فما أنْ لمست كلمتهم هذه أسماعَه حتى قال: إني عند الناس على خلاف ما أنا عند الله، واللهِ لا يتحدث الناسُ عني شيئاً إلا بما أنا فيه، أي مدحوه، قالوا: هذا الرجل يقوم الليل، وربما كان يقوم الليل، لكنْ ليس دائماً، فآلمه أن يكون هذا الوصفُ غير مطابق للحقيقة، عندئذٍ انطلاقاً من هذا المدح تابع قيامَ الليل حتى آخر حياته، وكان إذا أرخى الظلامُ سُدولَه على الكون، وأسلمتْ الجنوبُ إلى المضاجع، والناسُ كلُّهم نائمون، قام فلبس أحسنَ ثيابه، وسرَّح لحيتَه، وتطيَّب وتزيَّن، ثم وقف في محرابه يقطع أطراف الليل في الصلاة و الركوع والقنوت والسجود، وربما قرأ السورةَ الطويلة في الركعتين و ربما قام الليل كلَّه بآية واحدة يُعيدها و يبكي، ويُروَى أنه قام الليلَ كلَّه مرةً وهو يردِّد قولَه تعالى:

    ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾[سورة القمر: 46]

    وكان أحياناً يصلي الفجرَ بوضوء العشاء، و كان إذا قرأ سورة الزلزلة اقشعرَّ جلدُه ووجِل فؤادُه، وأخذ لحيتَه بيده، وطفِق يقول: يا مَن يجزي بمثقال ذرَّة خيرٍ خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شرٍّ شرًّا، أجِرْ عبدَك النعمانَ من النار، وباعدْ بينه وبين ما يقرِّبه منها، و أدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين.



    تحلي أبي حنيفة بقوة إقناع عجيبة :


    دخل أبو حنيفة النعمان على الإمام مالك و عنده ثُلَّةٌ من أصحابه، فلما خرج من عنده التفت الإمام مالك لجلسائه و قال: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا النعمانُ بن ثابت، هذا الذي لو قال عن هذه السارية - العمود - إنها ذهبٌ لاحتجَّ لِما قال، ولخرجتْ كذلك، أي عنده قوّة إقناع عجيبة، لو قال لك: هذه السارية من ذهب لجاء بالدليل، وأيقنتَ أنها من ذهب.

    كان في أهل الكوفة رجلٌ ضالٌّ، وكان ذا قدرٍ في عيون بعض الناس، وصاحبَ كلمة مسموعة لديهم، كان هذا الرجل الضال يزعم فيما يزعم أن عثمان بن عفان رضي اللهُ عنه كان يهودياً، يُروِّج في المدينة أن هذا الصحابي الجليل ثالث الخلفاء الراشدين كان يهوديًا، وأنه ظلَّ على يهوديته بعد الإسلام أيضاً، فلما سمع أبو حنيفة مقالَته هذه مضى إليه، قال له: لقد جئتُك خاطبًا ابنتَك فلانةً لأحد أصحابي، فقال: أهلاً بك و مرحباً، إن مثلك يا أبا حنيفة لا تُردُّ له حاجةٌ، ولكن مَن الخاطب؟ قال: رجلٌ موصوفٌ بين قومه بالشرف و الغنى، سخيُّ اليد، مبسوط الكفِّ، حافظٌ لكتاب الله عز وجل، يقوم الليل، كثير البكاء من خوف الله، بخٍ بخٍ حسبُك يا أبا حنيفة، إن بعض ما ذكرتَ من صفات الخاطب يجعله كِفئًا لبنت أمير المؤمنين، فقال أبو حنيفة: غير أن فيه خصلة واحدة لا بدّ من أن تقف عليها، قال: وما هي؟ قال: إنه يهودي فانتفض الرجلُ و قال: يهودي؟ أتريد أن أزوِّج ابنتي من يهودي يا أبا حنيفة، و اللهِ لا أزوِّجها منه، ولو جمع خصال الأولين والآخرين، فقال أبو حنيفة: تأبى أن تزوِّج ابنتك من يهودي وتنكر ذلك أشدَّ الإنكار، ثم تزعم للناس أن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم زوَّج ابنتيه كلتيهما من يهودي، فدُهِش الرجل وأخذته رِعدةٌ، واستغفر اللهَ من قوله هذا قول السوء، و تاب إلى الله فوراً، لقد عالجه علاجاً واقعيًا.
    أحد الخوارج، وهو الضحَّاك جاء إلى أبي حنيفة ذات يوم، و قال: تُبْ يا أبا حنيفة، فقال: مِمَّ أتوب؟ قال: من قولك بجواز التَّحكيم الذي جرى بين عليٍّ و معاوية، هذا التحكيم باطل، و من قبِله فهو كافر، فيجب أن تتوب منه، فقال له أبو حنيفة: ألا تقبل أن تناظرني في هذا الأمر- أتحبُ أن نتناقش -؟ قال الخارجيُّ: بلى، فقال أبو حنيفة: فإن اختلفنا في شيء مما نتناظر فيه فمن يحكم بيننا؟ فقال الخارجي: حكِّمْ مَن تشاء، فالتفت أبو حنيفة إلى الرجل من أصحاب الخارجي كان معه، و قال: أنت أيها الرجل اُحكمْ بيننا إذا اختلفنا، ثم قال للخارجي: أنا رضيتُ بصاحبك حكَماً، فهل ترضى به أنت؟ فسُرَّ الخارج و قال: نعم، فقال أبو حنيفة: ويْحك أتُجوِّز التَّحكيمَ لنفسك فيما شجر بيني و بينك و تنكره على اثنين من أصحاب رسول الله ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فانتهت المناقشةُ، حينما رضي معه هذا الخارجي بالتحكيم، وأقام عليه الحُجة.

    ويروي العلماءُ أيضًا أنه جاءه خارجيان، و الخوارج كما عُرِف عنهم أنهم يكفِّرون بالصغيرة، أي إذا ارتكب المسلمُ صغيرةً يكفِّرونه بها، فدخلا عليه و شهرا عليه السيفَ، و قالا له: ما تقول في رجل زنى و فعل كذا و كذا، هل هو مسلم أم كافر؟ فإذا قال: مسلم قطعوا رأسَه، فقال: هذا الرجل الذي تتحدَّثون عنه أهو نصراني؟ قالوا: لا، قال: أهو يهودي؟ قالوا: لا، قال: فمَن هو؟ قالوا: هو مسلم، قال: قد أجبتم عن أنفسكم، أنتم أجبتم، نصراني؟ لا، يهودي؟ كلا، إذًا هو مسلم، هذا هو الجواب، هو مسلم إذًا، و ليس كافرًا.
    ومن ذلك أيضاً أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لقِيَ طائفةً من الملحدين الذين ينكرون وجود الخالق جلَّ وعلا، فقال لهم: ما تقولون في سفينة مشحونة بالأثقال، مملوءة بالأمتعة والحمال، قد أحاطتها لُجَّةُ البحر بأمواج متلاطمة، وعصفت بها رياحٌ عاتية، غير أنها ظلَّت تجري هادئةً في طريقها المرسومة و تمضي مطمئنة إلى غايتها المعلومة، من غير اضطراب ولا خلل ولا انحراف، وليس على ظهرها ملَّاحٌ يُحكِم سيرَها، أو موجِّهٌ ينظِّم خَطوها، أفيصحُّ هذا في الفكر؟ قالوا: لا، إن هذا شيءٌ لا يقبله العقلُ، و لا يجيزه الفهمُ أيها الشيخُ، فقال: يا سبحان الله تنكرون أن تجريَ السفينةُ في البحر جريًا مُحكمًا من غير أن يكون لها رُبَّانٌ يتعهَّدها و تقرُّون قيام هذا الكون ببحاره الزاخرة، وأفلاكه السائرة، وطينه السابح التارح، من غير صانع يُحكِم صنعته، ومدبِّر يحسن تدبيرَه؟ تبًّا لكم ولِما تأفِكون.


    دفاع أبي حنيفة عن دين الله :


    ويُروَى أن أبا حنيفة رحمه اللهُ تعالى بعد أن قطع رحلةَ الحياة كلَّها ينافِح عن دين اللهِ بما وهبه اللهُ من حُجَّة بالغة، و يجادل عن شرعه بما حباه الله من منطق فذٍّ، فلما أتاه اليقينُ وجدوا في وصيَّته، أنه عزم على أهله أن يدفنوه في أرض طيِّبة، وأن يجنِّبوه كلَّ مكان فيه شبهة غصبٍ، فالأرضٌ المغتصبة، وفيها مقابر، يقتضي الورَعُ ألاّ يُدفَن فيها الإنسانُ، فكان أبو حنيفة رحمه اللهُ تعالى قد أوصى أهلَه و عزم عليهم، أي شدَّد ألا يدفنوه في أرض مغتصبة، فلما بلغتْ وصيَّتُه المنصورَ قال: مَن يعذُرُنا في أبي حنيفة حيًّا و ميِّتًا؟ أي مات و لم نرتاح منه، ولقد أوصى أبو حنيفة بأن يتولَّى غسله الحسنُ بنُ عمَّارة، فلما غسله قال: رحمك اللهُ يا أبا حنيفة، وغفر لك جزاءَ ما قدَّمتَ، فإنك لم تفطِرْ، أي كان صوَّامًا في النهار، قوَّامًا في الليل، وقد أتعبتَ الفقهاءَ من بعدك، لذلك يقولون: كلُّ الفقهاء عالةٌ على أبي حنيفة، و يسمُّونه الإمامَ الأعظم، و المذهبُ الحنفي من أوسع المذاهب انتشاراً و من أكثرها مرونةً و دقَّة.

    * * *


    النميمة :


    والآن إلى إحياء علوم الدين في موضوع خطيرٍ جدًّا ابتُلِيَ به المسلمون أو معظم المسلمين، ألا وهو النميمةُ، قال تعالى يصف النمّام:

    ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾[ٍسورة القلم: 11-13]


    قال عبد الله بن المبارك: الزنيم ولَدُ الزنا، الذي لا يكتم الحديث، وأشار به إلى أنَّ كلَّ من لم يكتم الحديث، ومشى بالنميمة دلَّ على أنه شبيهٌ بولد الزنا، أي ابن حرام، هذا الذي يفسد بين الناس، و بين الأحبَّة، وبين الإخوة، والشركاء، والأزواج، والجيران، وينقل حديث فلان إلى فلان، ويوغِر صدرَ الناس، ويوقع بينهم العداوةَ و البغضاءَ، ويقيم هُوَّةً كبيرة بينهم هذا عملُه مشابهٌ لعمل ولد الزنا تماماً. و العلماءُ قالوا: الزنيم هو الدَّعِي، أي ولد الزنا، و قال تعالى :

    ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾[سورة الهمزة: 1]


    قيل: الهمزة النمَّام، وقال تعالى:

    ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾[سورة المسد: 4]


    و معنى حمالة الحطب، أي كانت نمَّامة، أي تحمل كلاماً من جهةٍ إلى جهة، فتورِث بينهما العداوة والبغضاءَ، وكأنَّها أشعلت النار بينهم.



    نقل الكلام بلية كبرى :


    امرأة سيدنا لوط، وامرأة سيدنا نوح، قال تعالى في حقهما:

    ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾[سورة التحريم: 10]


    قيل: كانت امرأةُ لوط تخبر بالضِّيفانِ، فإذا جاءها ضيفانٌ لزوجها تخبر قومَها كي يأتوا ليفعلوا معهم الفاحشةَ، وامرأة نوح كانت تخبر الناس أنَّ زوجها مجنون :

    (( وعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ*، و في حديث آخر، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ))[البخاري عن حذيفة]


    و القتَّات هو النمام:

    (( عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا))[ البخاري عن مسروق ]


    نقلُ الكلام بليةٌ كبرى، والمجتمع مفتَّتٌ على مستوى الأًسَر، والأحياء، والعشائر، ودائما هناك خصومات، ومشاحنات، والبغضاء بسبب نقل الكلام، وقال عليه الصلاة و السلام:

    (( ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا بلى، قال: المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب ))[ ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد بن السكن]


    و قال عليه الصلاة و السلام:

    ((من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه اللهُ بها في النار يوم القيامة))[ الطبراني عن أبي ذر ]


    أشاع على مسلم إشاعة و هي باطلة ليحطِّم مكانته، ويجرح سُمعته بين الناس، قال عليه الصلاة و السلام:

    ((ما من رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها بريء ليشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار ))[ الطبراني عن أبي الدرداء]


    و قال عليه الصلاة و السلام:

    (( من شهد على مسلم بشهادة ليس لها بأهلٍ فليتبوَّأ مقعده من النار ))[ أحمد عن أبي هريرة]


    شهد شهادة غير صحيحة، و ليس متأكِّدا، تسرَّع واتَّهمه بالانحراف، وتسرَّع واتَّهمه بالغبن.



    النّمام يفتت العلاقة بين الناس :


    يُقالُ: إن ثلث عذاب القبر من النميمة، وعن ابن عمر عن النبيِّ عليه الصلاة و السلام أن الله تعالى لمَّا خلق الجنَّة قال لها: " تكلَّمي، فقالت الجنةُ: سعِد من دخلني، فقال اللهُ عز وجل: و عزتي و جلالي لا يسكن فيكِ نمَّامٌ و لا قاطِعُ رحمٍ" مستحيلٌ أن يدخل الجنةَ نمَّامٌ، أي إن الإنسانَ ينقل الكلام بين الناس ليفتِّت العلاقة.
    و يقال: " اتَّبع رجلٌ حكيما سبعمئة فرسخٍ في سبع كلمات، فلما قدِم عليه قال: إني جئتُك للذي آتاك اللهُ من العلم، أخبِرني عن السماء و ما أثقلُ منها، و عن الأرض و ما أوسعُ منها، و عن الصَّخر و ما أقسى منه، و عن النار و ما أحرُّ منها، و عن الَّزمهرير و ما أبردُ منه، و عن البحر و ما أغنى منه، و عن اليتيم و ما أذلُّ منه، فقال الحكيمُ: البهتانُ على البريء أثقلُ من السموات و الأرض - تفتري على إنسان فِريةً باطلةً و هو منها بريء، و تُلبِسه تهمةً لا علاقة له فيها، هذا العمل أثقل من السموات و الأرض- و الحقُّ أوسعُ من الأرض، و القلبُ القانع أغنى من البحر، و الحِرصُ و الحسدُ أحرُّ من الجمر، و الحاجةُ إلى القريب إن لم تنجح أبردُ من الزمهرير، و قلبُ الكافر أقسى من الحجر، و النمَّامُ أذلُّ من اليتيم على مائدة اللئيمِ."
    أراد إنسان أن يشتري عبدًا، فرأى عبداً ذكيًّا، وسعره رخيصاً، فلفت نظرَه السِّعرُ فقال البائعُ: هذا لا عيب فيه إلا النميمة، مشكلته أنه ينُمُّ، فاشتراه، فمكث الغلامُ أياماً، ثم قال لزوجة سيده: إن سيدي لا يحبُّكِ، وهو يريد أن يتسرَّى عليكِ، فخذي المُوسى واحلقي من رأسه شعرةً عند نومه، حتى أسحره عليها، فيحبُّكِ، ثم جاء للزوج و قال: إن امرأتك اتَّخذتْ خليلاً غيرَكَ، وتريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها الزوجُ، فجاءت المرأةُ بالموسى فظن أنها تريد أن تقتله، فقام إليها فقتلها، فجاء أهلُ المرأة فقتلوا الزوجَ ووقع القتالُ بين القبيلتين بعلَّة واحدة فقط النميمة، أذهب بقبيلتين، فموضوع النميمة خطير جسيم.
    وإن شاء اللهُ في درس قادم نتحدَّث عن النميمة بالتعريف الدَّقيق، وعن واجب المؤمن إذا سمع رجلاً ينِمُّ له أو عليه، كيف يقف منه موقفًا صلبًا. يُروى عن عمر بن عبد العزيز رضي اللهُ عنه أنه دخل عليه رجلٌ فذكر له عن آخرَ شيئًا- أي نمَّ- فقال له عمر: إن شئتَ نظرنا في أمرك ، فإن كنتَ كاذباً فأنت من أهل هذه الآيات، قال تعالى:

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾[سورة الحجرات: 6]

    و إن كنتَ صادقاً فأنتَ من أهل هذه الآية، قال تعالى:

    ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾[سورة القلم: 11-13]


    و إن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، و لا أعود إليه أبدًا، هذا موقف سيدنا عمر.



    يتبـــــــــــع
     


  7. akram0938

    akram0938 مؤسس المنتدى الإدارة

    10,723
    1,367
    1,731

    المستحبات والمكروهات في الحج

    من الإنصاف أن تذكر محاسن الإنسان قبل مساوئه:


    أيها الأخوة المؤمنون ؛ في كتاب رياض الصالحين باب عنوانه: "الوصية بالنساء":

    (( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    هذا الحديث الشريف أيها الأخوة سمعتموه مني سابقاً، ولكنَّ الحديث الشريف أحياناً تستنبط منه قواعد كثيرة، فهذا الزوج عليه ألاَّ يكره زوجته، فإن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر، فحينما تبني علاقتك مع زوجتك تدارس مع نفسك ما لها من ميزات، وما عليها من مآخذ، ربما غلبت ميزاتها سلبياتها، وربما رضيتَ منها أخلاقاً كثيرة وكرهت منها خلقاً واحداً، فهذا الذي يطمس المحاسن ويبرز المساوئ، هذا بعيد عن أن يكون مؤمناً، و هذا الحديث الشريف يعلِّمنا الحُكم الموضوعي، فإذا أردت أن تحكم على إنسان فلا ينبغي أن تنسى حسناته، ولا فضائله، ولا مميزاته، ينبغي أن تذكرها قبل أن تذكر المساوئ، وينبغي أن تذكر المحاسن قبل المساوئ، وهذا هو الإنصاف.
    والنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى صهره أبا العاص بين الأسرى جاء ليحارب النبي، وكان مشركاً، وكان يتمنى أن يقتل المسلمين، نظر إليه عليه الصلاة والسلام وقال:" والله ما ذممناه صهراً " هذا حكم موضوعي، حكم منصف.

    على الإنسان أن يكون موضوعياً في أحكامه:


    أنت أحياناً تسأل عن زيد أو عبيد، أو فلان أو علان، من الظلم والإجحاف أن تطمس محاسنه وأن تبرز مساوئه، فاذكر ما له وما عليه ولو كان صديقاً، أو عدوًّاً، أو قريباً، أو بعيداً، أو زوجة، أتنسى أنها عفيفة، و أنها تحفظ لك مالك، وتحفظ نفسها في غيبتك، وتربِّي أولادك ؟ بكلمةٍ قالتها، أو بخلق لا ترضاه عنها كرهتها، هذا ليس إنصافاً، ولو تعلَّمنا أن نكون منصفين في أحكامنا لكنا في حال غير هذا الحال، ودائماً الإنسان يتكلم وفق مصالحه، فيقتضي المقام أحياناً أن يبرز المحاسن ويطمس السيئات، وأحياناً يبرز السيئات، وهذا ليس إنصافاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

    (( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    أي لا يكرهها، ويروون قصة أن ابن عباد كان أميراً من أمراء الأندلس، بل كان ملكاً من ملوكها، فأحب جاريةً وتزوجها، وكان ملكاً فأكرمها أيّما إكرام، وما إن تطلب منه حاجة حتى يلبيها، فاشتاقت مرة إلى حياة الخشونة والفقر، فطلبت منه أن يصنع لها طيناً لتمشي فيه، فجاء بالمسك والعنبر وخلطهما بماء الزهر، وقال لها: امشِ في هذا، بعد مراحل من حياته فَقَدَ ملكه وصار في السجن، فكانت تعيره وتنهره دائماً، وتقول له: لم أرَ منك خيراً قط، فقال لها مرةً: ولا يوم الطين ؟
    فلا يوجد إنصاف، ونحن مع زوجاتنا، مع أخوانا، مع أصدقائنا، مع من هم دوننا، من هم فوقنا، كن منصِفاً، واذكر ما له وما عليه، اذكر ميزاته ومساوئه، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا طريقة الأرباح والخسائر، هذه الزوجة ميزاتها كذا وكذا، ولها هذا الطبع السيء وهذا الطبع، فهل أنت كامل ؟ لا والله، فوازن بين ميزاتها وبين مساوئها ترَ أن الصفقة رابحة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر.


    التقييم الصحيح والنظرة الموضوعية جزءٌ أساسي من العلم:


    يبدو أن هذا الحديث توجيه نبوي لو طبقه الأزواج لسعدوا بزواجهم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام مرة يصلي فدخل أحد أصحابه ليلحق معه الركعة الأولى، فأحدث ضجيجاً، أو دخل أحد الأعراب فأحدث جلبةً وضجيجاً:

    (( انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))[البخاري عن أَبِي بَكْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    بماذا بدأ النبي ؟ أبرز الناحية الإيجابية في هذه الضجة، لماذا ركض هذا الأعرابي وأحدث جلبة وضجيجاً وشوش على أصحاب رسول الله ؟ حباً بأن يدرك معه الركعة الأولى، إذاً هذه ميزة ما غفل عنها النبي عليه الصلاة والسلام.

    (( زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))[البخاري عن أَبِي بَكْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    لذلك يقال لكل من يعمل تحته أناس، ومن يعمل في معيته أناس: إذا أردت أن توجه نقداً لمن حولك ابدأ بمحاسنهم، فإذا بدأت بمحاسنهم فإنّ هذا يجعلهم يستمعون إليك بإصغاء بالغ، وفي تعاملك مع ابنك اذكر له محاسنه، ثم اذكر له بعض مساوئه، فإذا ذكرت له كل مساوئه وتغاضيت عن محاسنه، ولم تعترف له بما له على هذه الأسرة من خدمات، فعندئذٍ يشعر بالظلم، وأن الأب ليس منصفاً، فيجب أن تجعل من حولك يعترفون بعدلك، مع الزوجة، مع الولد، مع الجار أحياناً، مع القريب، مع البعيد، مع الصهر، يخطئ الصهر، فيغضبون عليه غضباً ما بعده غضب، وينسون أنه أكرم ابنتهم في سابق الزمن، وأحسن إليها، وكان زوجاً مثالياً، غلط غلطة، أو بالعكس زوجة الابن تغلط غلطةً مع أهل زوجها، فإذا هم يصبُّون عليها كل غضبهم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

    (( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا ))[الترمذي عن أبي هريرة رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    باعتدال، فهذا الحديث يستنبط منه أن تكون موضوعياً في أحكامك، فلو تعلمت علم الثقلين ولم تكن موضوعياً في أحكامك فلست بعالم، ولو اتبعت المنهج العلمي في تقييم الأشخاص، وفي إعطاء ما لهم وما عليهم فأنت عالم، فالتقييم الصحيح والنظرة الموضوعية جزءٌ أساسي من العلم.
    من عامل الناس عليه أن يحاسب نفسه قبل محاسبة غيره:


    (( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    اذكر محاسنه، وأنا اخترت هذا الحديث لا لموضوع الزواج فقط، بل وجدت من هذا الحديث استنباطات كثيرة، فإذا تعاملتَ مع شريكك اذكر إخلاصه، وأمانته، لكن دوامه قليل وهذه مشكلة، ولا تنسَ ميزاته الأخرى، لا تنس عندما كنت مسافراً قام بالعبء كله، ولم يسألك لماذا سافرت ؟ فالإنسان أحياناً في ساعة غفلة ينظر ما له فقط، وينسى ما عليه، فإذا عامل الناس ينظر إلى ما عليهم لا إلى ما لهم، فيجب أن تنظر ما لهم من حق، وما عليهم من واجب، وأن تحاسب نفسك أيضاً بما لك من حق، وما عليك من واجب.

    توجيه نبوي لطيف يسع كل حالات الزوجية:


    أحد أسباب الشقاء الزوجي أن الزوج يطالب زوجته بكل شيء، ولا يحاسب نفسه في واجباته تجاهها، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحاسب نفسه:

    (( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    وكسرهن: طلاقهن، هذا توجيه نبوي لطيف يسع كل حالات الزوجية، الحلم، والأناة، وسعة الصدر، هذا كله يجعل الحياة الزوجية جنةً، أمَّا الضيق، والتبرم، والمحاسبة الدقيقة، وأن تنسى ما عليك من واجب، وأن تطالب بما لك من حق، عندئذ تنهار العلاقة الزوجية، فحينما تكون زوجاً تطبق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علاقتك بزوجتك، فإن هذا الزواج سوف يسعد، وسوف ينمو، وسوف تكون العلاقة متينةٍ بينك وبين زوجتك، فأنصف.

    (( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    لا يكرهها، أتذكر عندمَا أعطتك كل الحليِّ كي تعمل بها في التجارة، أتنسى لها هذا الموقف ؟ إنَّ طمس المحاسن ليس من صفات الكرماء، أتنسى يوم أطاعتك في كل شيء، ويوم قلقت على صحتك ؟ أتنسى يوم فعلت كذا وكذا ؟ إن كرهت منها خلقاً اليوم فلا تنسَ أخلاقها الأخرى في سابق أيامها.
    يروى أن السيد المسيح مشى مع أصحابه فرأوا جيفةً، وهل في الجيفة شيء يرضي ؟ جيفة متفسخة لها رائحة لا تواجه، فقال أصحابه الحواريون: ما أنتن ريحها، أما السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال: بل ما أشد بياض أسنانها.

    من عفا ساد ومن حلم عظم ومن تجاوز استمال إليه القلوب:


    هذا درس بليغ علَّمنا البحث عن الإيجابيات، والبحث عن الميزات، مع شريكك، مع زوجتك، مع أخيك، مع قريبك، مع جارك، مع من تتعامل معه، انظر إلى ميزاته، أما إذا نظرت إلى مساوئه فإنّك تبغضه، فانظر إلى ميزات الآخرين وانظر إلى مساوئك تصبح ملكاً، ما الذي يسبب الشقاق والخصومات والبغضاء ؟ أن كل إنسان ينظر إلى فضله على الآخرين وينسى تقصيراته ومسالبه، ينظر إلى أخطاء الناس فيضَّخم محاسنه ويكبَّر مساوئ الآخرين، وبذلك سوف يكرههم، فإذا نظرت إلى التقصيرات ونظرت إلى محاسنك عندئذ لن تستطيع التعامل مع الناس بل عندئذ تبغضهم، وتكرههم، وتستعلي عليهم.
    انظر إلى مساوئك وإلى محاسن الآخرين هذا توجيه كريم، وهذا التوجيه مؤداه أنْ تكون ذا نظرةٍ موضوعية، فكن منصفاً ولا تكن مجحفاً، كن معتدلاً ولا تكن متطرفاً، كن مع الواقع ولا تكن مع النوازع، كن معتدلاً ولا تكن متجنياً، والحقيقة هذه الأحاديث النبوية وهذه التوجيهات كمعلومات يسهل فهمها، أما إذا انقلبت إلى ممارسات، وإلى أخلاق، وإلى مبادئ ثابتة في تعاملك مع الناس، عندئذٍ تغدو هذه الأحاديث قواعد ومنارات في طريق الإيمان، فلا يوجد بيت ليس به مشكلة، إذا واجه المؤمن مشكلة في بيته بهذه النفسية، صار ثمّة تسامح، وحلم، وتجاوز.
    يقولون: إنّ سيدنا معاوية جاءته رسالة من أحد الموطنين فقال له: " أما بعد ؛ فيا معاوية ـ هكذا مباشرةً باسمه الصريح، ولم يقل له: يا أمير المؤمنين ـ إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام "، عنده ابنه يزيد فأحب أن يمتحنه وقال: يا يزيد ما قولك ؟ قال: أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده، وآخره عندك ، يأتونك برأسه، فتبسم سيدنا معاوية وقال: غير ذلك أفضل، فأمر الكاتب، وقال له: اكتب رسالة: " أما بعد ؛ فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها ".
    فيأتيه الكتاب الثاني: " أما بعد فيا أمير المؤمنين ـ أطال الله بقاءك ـ ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل "، جاء بابنه يزيد وقال له تفضل، وقال له: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.


    الحديث التالي يجب أن يكون نبراساً لنا في تعاملنا مع الآخرين لأنّه يعلمنا الموضوعية:


    فإذا كرهت منها خلقاً تجاوزْ إلى محاسنها، وعفافها، وإخلاصها، وحفظها لمالك، وحفظها لنفسها، وطاعتها لك، فرضيت بمنهجك في الحياة، هذه كلها ميزات تشفع لها بسيئة، أما هذا الذي يرى المساوئ فقط ويبرزها، ويقيم النكير عليها، فهذا ليس من المؤمنين.


    (( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    هذا الحديث يجب أن يكون نبراساً لنا، وبالتعبير الحديث شعاراً لنا في تعاملنا مع الآخرين، لأنّه يعلمنا الموضوعية في الأحكام، وهذا الحديث لا يقتصر على الزوجة، بل يتوسع ليشمل الشريك، والأخ، والقريب، والصهر، والجار، ويشمل كل من تتعامل معه، والتوجيه الثاني المتمم لهذا الحديث: " التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة "، فإذا كنت موضوعياً معه، والتمست له العذر، ربما كانت العلاقة بينكما علاقةً متينة، وهذا الذي يرضي الله عز وجل قال تعالى:

    ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) ﴾( سورة الصف )

    فلو أخذنا المعنى الآخر للآية، معنى التكاتف، والتعاضد، والمؤمنون كذلك، وهناك أحاديث سابقة بينت لكم كيف أن الله سبحانه وتعالى يحب من المؤمنين أن يكونوا كالجسد الواحد:

    (( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))[البخاري عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]


    الحج في مراحله العملية:


    الموضوع الثاني هو موضوع الحج:


    إن شاء الله فيما تبقَّى من أسابيع قُبَيْل الحج نتحدث عن مناسكه، والحقيقة أنَّ الموضوعات الأساسية ؛ تعريف الحج، وفروضه، وأركانه، وسننه، ومستحباته، هذه درسناها كثيراً، ونبدأ في مراحله العملية، أول شيء في الحج الإحرام، فالإحرام بالتعريف الدقيق هو: نية الحج مع التلبية، وفيه تُخلع الثياب المخيطة، ويُلبس إزار ورداء للرجل وجوباً، والإزار هو الذي يستر ما بين السرة والركبة، وما يستر العورة، والرداء هو الذي يستر الجذع والكتفين.
    فأولاً الإحرام ؛ نية الحج مع التلبية، وخلع الثياب المخيطة، ولبس إزار ورداءٍ للرجل وجوباً، وهنا نقطة مهمة وهي أن بعض أخواننا الحجاج يقرر أن يحرم من بلدته، فيغتسل كما هي السنة، ويصلي ركعتي الإحرام، ويتوجه إلى المطار، فلسبب أو لآخر إذا ألغيت الرحلة وعاد إلى بيته، ومسَّ طيباً، أو قارب أهله، فقد وقع في خطأٍ كبير، فمادام قد أحرم فقد دخل في الحج، لذلك بالمناسبة لا تحرِم إلا وأنت في الطائرة، فلو أن الرحلة أُلغِيت، أو طرأَ عارض ورجعت إلى البيت، فأنت لم تبدأ بعد بالحج، أمّا إذا أحرمت من البيت، ولم تتمكن من ركوب الطائرة، لسبب أو لآخر، فإن هذا فيه مشقةٌ كبيرةٌ عليك، لذلك خلعُ الثياب المخيطة، ولبسُ الإزار والرداء وجوباً، والإزار كما قلنا ما يستر العورة من السرة إلى ما تحت الركبة، وإذا لبِس الإنسانُ ثياب الإحرام يجب أنْ ينتبه حتى لا تظهر سرَّتُه، لأنها مِن العورة، فأحياناً هذه المنشفة تنزل قليلاً فتبدو سرته، وتنكشف عورته، فيجب أن يسعى ليكون الإزار الذي يستر العورة فوق السرة، ويسن أن يكونا أبيضين، جديدين، من غير أزرار، فلا يصح ذلك، ولا يعقد طرفيهما ببعضهما، ولا يثبتهما بإبرة، هذا كله مكروه تنزيهاً، ولو فعل من هذا شيئاً فلا حرج عليه.


    ما يستحب و يكره في الحج:


    ويستحب من يريد الإحرام أن يقص شاربه وأظافره، وكذا الأماكن الأخرى التي من السنة حلقُها، كما تقدم في السنن، ثم يتوضأ أو يغتسل، والغسل أفضل، وهو للنظافة فيستحب للمرأة الحائض والنفساء التي تزمع الحج أن تغتسل، ويندب للرجل أن يتطيب قبل الإحرام إن وجد ذلك ممكناً، أما المرأة فتبقى بثيابها المخيطة، وجلبابها، وجوربيها، وحذائها، وتغطي رأسها وشعرها، كحالتها قبل الإحرام، كما جاء في المذهب الحنفي، وتكشف الخمار عن وجهها إن لم تكن أمام الرجال، لأن السيدة عائشة رضي الله عنها تروي حديثاً في مسند الإمام أحمد فتقول:

    (( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزَنَا كَشَفْنَاهُ ))[أحمد عن عائشة رَضِي اللَّهُ عَنها]

    فيمكن أن تكشف المرأة عن وجهها في الحجِّ إن لم تكن أمام الرجال، فإذا كانت أمام الرجال فتنفيذاً للسنة المطهرة الثابتة ينبغي لها أن تستر وجهها، وأن تسدل أمامهم من فوق رأسها سدلاً متجافياً عن وجهها، والسنة أن يكون هذا الستار بعيداً عن وجهها، لذلك الأخوات يصنعن قبل الذهاب إلى الحج واقيةً، ليكون الخمار متجافياً عن الوجه، وهذه هي السنة، دون أن يمس المنديل وجهها، فلو مس المنديل وجهها وجب الدم، إن استمر المس يوماً كاملاً ؛ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو ليلة كاملة ؛ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وإن لم يكن يوماً كاملاً فعليها صدقة.
    ويلبس الرجل النعلين حيث يكون وجه القدم مكشوفاً، أمَّا ما يستران ظاهر القدم فمكروهان، فيجب أن يكون ظاهر القدم مكشوفاً، ويصلي المحرم رجلاً كان أو امرأة ركعتين سنة الإحرام في غير وقت الكراهة، يقرأ في الأولى الفاتحة وسورة " قل يا أيها الكافرون"، وفي الثانية الفاتحة وسورة " قل هو الله أحد"، ثم يقول بعد سلامه بلسانه مطابقاً لقلبه:" اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وتقبَّله مني"، هذا إذا نوى حجاً منفرداً، لأنّ الحج أنواع ثلاثة، إفراد، وقران، وتمتع، والحديث الآن عن حج المفرد، فيقول: "اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وتقبله مني، نويت الحج وأحرمت به لله تعالى "، ثم يلبي ويقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ويسن أن يكررها ثلاثاً، قال العلماء: يكره تنزيهاً أن ينقص الرجل من ألفاظ هذه الصيغة شيئاً، بل يجب أن تذكرها بالتمام والكمال.
    كما يكره تنزيهاً عدمُ رفع الصوت بها للرجال، فيجب أن ترفع صوتك بها، لأن الحج هو العجّ والثجّ، ويندب الزيادة بعدها مما ورد، وبعضهم يزيد على هذه الصيغة فيقول: "لبيك اللهم وسعديك، والخير كله بين يديك، والرغبة ـ أي المحبة ـ إليك، لبَّى لك عبدك وابن عبدك، هاربٌ من الذنوب والخطايا، ملتجئ إليك "، ويقوم مقام التلبية كل ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى، ولو مشوباً بالدعاء، كالتهليل" لا إله إلا الله "، والتسبيح " سبحان الله"، والتحميد "الحمد لله "، والتكبير "الله أكبر "، أي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أو التلبية التي سنّها النبي عليه الصلاة والسلام.

    ما يشترط في التلبية:


    ويشترط في التلبية أن تكون باللسان، فلو ذكرها في قلبه لم يكن ملبِّياً، ويكثِر من التلبية، ويجددها في دوام الإحرام، وخصوصاً بعد الصلاة ؛ ولو نفلاً، وعند تجدُّد الأحوال، وتغايرها زماناً ومكاناً، وعند لقاء الأصحاب، وعند كل صعود وهبوط، وعند كل ركوب ونزول، رافعاً بها صوته، ولكن المرأة تخفض من صوتها لأن صوتها عورة، فتفقهوا قبل أن تحجوا، وبين الميلين الأخضرين هرولة، وهذه ليست على النساء، لأن المرأة يُكرَه لها أن تهرول، فإذا رأيت امرأةً تهرول بين الميلين الأخضرين، فهذه امرأة لا تعرف مناسك الحج.

    متى تقطع هذه التلبية ؟ :

    إذا بدأ برمي جمرة العقبة يوم النحر، مع أول رمية حصاةٍ يوم النحر لجمرة العقبة تنتهي التلبية، وندخل في التكبير.


    محظورات الإحرام:


    إذا نوى الحاج الحج وأحرم فعليه أن يجتنب محظورات الإحرام، فيحرم على الرجل المحرم لبسُ الثياب المخيطة، والعمامة، والقلنسوة، والجوربين، والخفين حذاء أنيق ساتر، وستر الوجه والرأس، فهذه كلها ممنوعة على الحاج.
    ويحرم على الحُجَّج التطيب، كما يحرم عليهم لبس ثوبٍ مطيبٍ إلا بعد إزالة الطيب عنه، لأنّ الطيب من محظورات الإحرام.
    وبعض الأخطاء تقع للحجَّاج فيركبون الطائرة ويقدم لهم الطعام، ومع الطعام منديل مبلل بمادة معطرة، فهذه ممنوعة، فانتبهوا لذلك، ويحرم دهن الشعر أو إزالته بحلقٍ، أو نتف، أو دواء يزيل الشعر، وتقصيره، وإزالة شعر البدن، أو قص الأظافر، ويحرم الرفث، أي معاشرة النساء، وذكره ودواعيه، والكلام الفاحش، والجدال، والفسوق وهو الخروج عن طاعة الله عز وجل، ويحرم على المحرِم التطيبُ في البدن والثوب، ولو بماء الورد، أيضاً الصابون المطَيَّب مشكلة، فاستعمل صابون غار، أو خذ معك صابوناً غير مطيب تلافياً للإشكال، وهناك الصابون كله مطيب، وقد أجاز بعضهم هذا الصابون، ولكنْ خذ الأحوط.
    ويحرم على المحرم قتل صيد البر، والإشارة إليه في الحاضر، والدلالة عليه في الغائب، وكسر بيضه، وقطع شجر الحرم، وهذه كلها من محظورات الإحرام، ويُباح في الإحرام قتل الحية، والعقرب، والفأر، والذئب، والغراب، والحدأة، وكل صائل من السباع ـ إذا داهمَ الخيمة سبع مثلاً ـ وقتل البراغيث، والبعوض:

    (( خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ؛ الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا ))[ مسلم عن عائشة رَضِي اللَّهُ عَنْها]

    فهذه كلها تقتل، ولو كان الحاج محرماً، ويجوز للحاج صيد البحر، وذبح الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، والبط، والأوز الأهلي، كما يجوز للمحرم أن يدخل الحمام، ويزيل الوسخ بالماء الحار والصابون غير المعطر، ويغتسل بقصد الطهارة من الجنابة، أو بقصد إزالة الغبار أو للتبرد.


    ما يجوز في الحج:


    ويجوز أن يختتن، أو أن يفتصد، أو أن يحتجم، إذا أصابه شيء، وكان علاجه الحجامة في أثناء الإحرام من دون إزالة الشعر، ويجوز أن يقلع ضرسه إذا آلمه ـ لكن الأسعار غالية جداً ـ أو أن يحك رأسه وبدنه برفق، إن خاف سقوط شعره، وإن سقطت شعرة مثلاً يتصدق بما يشاء، ويجوز له أن يستظل بالبيت والمحمل، وأن يستظل بمظلة مما لا يصيب رأسه ولا وجهه، ويجوز له لبس ساعة اليد، والتزوج والتزويج، والعقد فقط، والمراد به عقد النكاح، ويجوز له أن يشد وسطه بحزام الدراهم وغيرها، ولو كانت لغيره.

    (( بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا يَشَمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا ))[البخاري عن ابن عباس رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]

    ويجوز لبسُ الخاتم، والاكتحالُ بغير طيب، والنظرُ في المرآة، والتغطي وقت النوم، فلو حج في الشتاء مثلاً بلحاف أو عباءة أو غير ذلك، بشرط ألا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا يغطي معقب الشراك من وجه قدميه وعقبه، فهذه الأبحاث كلها متعلقة بالإحرام، وإن شاء الله تعالى في درس قادم نتابع موضوع هذه المناسك واحداً واحداً، أولاً: لمن يحج هذا العام، ولمن يزمع الحج في الأعوام القادمة.


    إرسال العرب في القديم أبناءهم إلى البادية:


    والآن إلى السيرة النبوية:

    كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أرضعته حليمة السعدية، وكان من عادة العرب أن يرسلوا أبناءهم إلى البادية حيث الهواءُ الطلق، والمناظر الممتدة التي تجعل الرؤية حادةً، و أبناء المدن دائماً يحتاجون إلى نظارات، والسبب أن العين تجري عمليةً بالغة التعقيد، اسمها المطابقة، ومادام الشيء المرئي قبل ستين متراً، فلابد من المطابقة، والمطابقة عمليةٌ في غاية التعقيد، وهذا الجسم البلوري يزداد احتدابه أو ينقص ليجعل خيال الشيء المرئي يقع على الشبكية، فهي عملية بالغة التعقيد، أما إذا نظرت إلى مسافةٍ تزيد عن ستين متراً فإن المطابقة تلغى، لذلك فإنّ العين تستريح في المناظر الفسيحة، وأكثر سكان البادية لا يعرفون النظارات، ولا أعتقد أحدكم لمح بدويًّاً يضع نظارات، بسبب أن هذه المناظر الفسيحة تريح العين، وتجعل البصر حاداً.


    الدلائل المبكرة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:


    النبي عليه الصلاة والسلام على عادة البيئة التي نشأ فيها أرضعته حليمة السعدية في البادية، فحليمة السعدية كانت من دون نساء البادية جميعاً شديدة الرعاية لوليدها محمد صلى الله عليه وسلم، شديدة الخوف عليه في الليل والنهار، وتخشى عليه الحر والبرد والأحداث، بل تخشى عليه كل شيء، وكانت تحبه حباً جماً، وترى في حاله أنه غلامٌ ليس كالغلمان، وترى من بركته ما يزيدها تعلقاً به، وحرصاً عليه، قال علماء السيرة: " إنَّ الأرض اخضرت حينما كان في البادية، وإن ضروع الإبل قد امتلأت باللبن "
    وهذه يسميها علماء السيرة الإرهاصات ، والإرهاص هو دليل مبكر على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
    إنَّ سيدنا المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما تكلم وهو رضيع محمول على يدي أمه، قال تعالى:

    ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) ﴾( سورة مريم )

    هل هذه معجزة ؟ الجواب لا، هذا إعجاز، هذا دليل مبكر على نبوة هذا النبي العظيم، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في البادية الخير الذي أصاب حليمة السعدية، حيث اخضرت الأرض من حوله، وامتلأت الضروع باللبن، فهذه من إرهاصات النبوة.

    الحكمة من يتم النبي الكريم:


    وقد يسأل سائل: لماذا شاءت حكمة الله عز وجل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً ؟ لماذا لم يكن له أب كغيره من الغلمان ؟ وكان أبوه عبد الله، وكان أبوه من أنبل أخوته، وكذا جده وأمه، فَقَدَ الأب ثم الأم ثم الجد لماذا ؟ هذا سؤال ؛ لماذا شاءت حكمة الأب أن يجعله يتيماً، وأن يجعله سيد الأيتام ؟ قال بعضهم: لو أن لأبيه مجداً عريقاً، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة لظن الناس أن هذه النبوة هي بدفع من أبيه، للمحافظة على مكانته ومكانة أبيه بين قومه، فهذه الرعاية التي فقدها من أبيه ومن أمه ومن جده من أجل أن تكون النبوة صافيةً لا شائبة فيها.


    حرص حليمة السعدية الشديد على النبي عليه الصلاة و السلام:


    على كلٍ: كانت حليمة السعدية تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام غلام ليس كالغلمان، فحينما يدعوه الغلمان إلى اللعب كانت له هذه الكلمة المشهورة: " لم أخلق لهذا "، علامات حب الله عز وجل، علامات القلق على هداية الناس كانت باديةً عليه منذ الطفولة، وكانت تحس أن الناس جميعاً يحسدونها عليه، ويريدون أن يتخطفوه منها، لذلك كانت تلاحقه بعينيها حيثما كان، وتحيطه برعايتها وعنايتها بأكثر مما تحيط بها أولادها، فكانت حليمة السعدية أمه في الرضاع، وليس هذا القصد من هذا الدرس، إنما القصد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان وفياً أشد الوفاء لأمه من الرضاعة، وأريد أن أصل إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان هذا خلُقُه، فأين نحن من هذا الخلق ؟ والإنسان أحياناً يتزوج، وطبعاً الزوجة محببة، وقد تكون أمه في سن متقدمة، وقد أصبحت عبئاً، يا ترى هل هو وفيٌّ لأمه؟ هل ينسى حقها عليه بعد أن تزوج ؟ هل يراها عبئاً عليه ؟ هل يظن أنها عقبةٌ في طريق سعادته ؟ هل نسي لما رعته طفلاً ؟ سأطلعكم بعد قليل كيف كان وفاء النبي عليه الصلاة والسلام لهذه المرضع.


    خوف حليمة السعدية على رسول الله صلى الله عليه و سلم:


    قال علماء السيرة: ذات يوم أفزعها أنها افتقدته فلم تجده، فخرجت تطلبه وقت الظهيرة، والناس حولها قائلون ـ قد خلدوا إلى الراحة بعد الظهر ـ والبُهم ـ الحيوانات ـ والأغنام قد أَوَتْ إلى الظل تستجير به من وهج الشمس، فوجدته مع أخته من الرضاع الشيماء مقبلاً على الحي فجعلت تلوم أخته ـ ابنتها ـ وتقول في ألم وغيظ: في هذا الحر يا شيماء ؟ فقالت أخته: لا تجزعي يا أمي، فوالله ما وجد أخي حراً، لقد وجدتُ غمامةً تظِلُّه حيثما ذهب، فإذا وقف وقفتْ، وإذا سار سارتْ، حتى انتهى إلى هذا الموضع، وهذا أيضاً من إرهاصات النبوة، فالنبي عليه الصلاة والسلام من أبرز صفاته الشريفة وفاؤه لمن كانت لهم يدٌ عليه، فنشأ النبي وشبَّ وكبر وتزوج، وجاءته الرسالة فأصبح نبياً ورسولاً، ولم يتنكر، ولم ينسَ الجميل لهذه الأم التي أرضعته يوم كان صغيراً.
    فقد ظل الرسول عليه الصلاة والسلام يحفظ لها الجميل.


    وفاء النبي الكريم لمرضعته حليمة السعدية:


    أنا أقول لكم: هل تحفظ جميل أمك ؟ هل تحفظ جميل أبيك ؟ هل تحفظ جميل من أسدى إليك معروفاً ؟ هذه هي أخلاقه فأين أنت منها ؟ ألم تؤمر أن تقتفي أثره ؟ ألم تؤمر أن تكون متخلقاً بأخلاقه ؟ قال تعالى:

    ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾( سورة آل عمران )

    لم ينسَ النبي عليه الصلاة والسلام أنها ظئره ـ أي مرضعته ـ التي أرضعته من ثدييها، وغذته بلبنها، وأن لها عليه حقَّ الأم على ولدها، بل لم ينسَ أن يحفظ الجميل لقبيلتها سعد بن بكر بن هوازن، فظل دائماً يذكر أنه نشأ في باديتهم، وتربى بين ظهرانيهم، وكان له منهم أخوة وأخوات، وآباء وأمهات، وعشيرة وأقارب.
    لقد بدأ الآن ردُّ الجميل، حضرت حليمة ذات يوم، وكان يتاجر بمال خديجة، فجاءت حليمة السعدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشكت إليه حالها، وما تلاقيه من شدة العيش في البادية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام فقيراً، ولكن الدالَّ على الخير كفاعله، فكلَّم لها خديجة، فمنحتها بعيراً وأربعين شاةً، وردَّها مكرمةً إلى أهلها، فهذا أول موقف، ثم جاءته حليمة، وكان عليه الصلاة والسلام زوجاً للسيدة خديجة يتاجر لها بمالها، فلما شكت إليه سوء حالها كلم لها خديجة، فمنحتها بعيراً، والبعير شيء ثمين، وأربعين شاةً، وردها مكرمةً معززةً إلى أهلها.
    ومرةً جاءته السعدية وهو رسول الله، فاستأذنت فأذن لها، فلما دخلت عليه قام لها، أنا مرة أخ كريم له قضية عند شخص، وهذا الشخص يحتل منصباً رفيعاً، قلت له: والده من أخواننا، فحدثت والده فأبدى رغبة أن يذهب معي إلى ابنه، دخلنا على هذا الإنسان وغرفته غاصة بالمراجعين، وله مكانة عليَّة، فلم يشأ أن يشعِر أحداً أن هذا أبوه، فقال له: يا أبا فلان اجلس هناك، فما أشعر أحد أنه أبوه، فاستغربتُ لأنّه حط من قدره، وكأنه استحيا به، وهو له مظهر لائق جداً، وأنا والله استغربت، فلما أُنهِيتْ القضية، وخرجنا سألته: أين درس ؟ فقال: في البلد الفلاني، فقلت له: من أنفق عليه ؟ قال: أنا أنفقت عليه، أبوه أنفق عليه حتى نال هذه الشهادة العليا، واحتل هذا المنصب الرفيع، فلما دخل عليه استحيا به، وأشعرَ الحاضرين أنه ليس أباه.
    انظروا ماذا فعل النبي، لقد وقف، فلما دخلت عليه قام إليها متهللاً، وقال: أمي أمي ثم بسط رداءه وأجلسها عليه، هل بعد هذا الوفاء من وفاء ؟ ثم جعل يلاطفها، ويبتسم إليها ابتسامة الابن البار بأمه الحنون، كما أشعرها أنه لم ينسَ فضلها أبداً، ثم سألها عن حاجتها وقضاها لها، ورجعت معززةً مكرمة، هذا الموقف الثاني.

    موقف النبي من قبيلة حليمة بعد غزوة حنين و عدم نسيان فضلهم عليه:


    النبي عليه الصلاة والسلام انتصر على المشركين في غزة حنين، وهذه غزوة دقيقة حسَّاسة، وهذه الغزوة قال عنها الله عز وجل:

    ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾( سورة التوبة )

    فهذه آية قرآنية وهي درس لنا، في اللحظة التي تعجبك نفسك يتخلى الله عنك، وفي اللحظة التي تقول: أنا، يَدَعُك ونفسك، من اتكل على نفسه أوكله الله إياها، فهل من أناس أعظم شأناً عند الله من أصحاب رسول الله، وبينهم رسول الله ؟ ومع ذلك لما قالوا: نحن لن نغلب من قلة تخلى الله عنهم.
    فقبض النبي عليه الصلاة والسلام حفنةً من تراب وضرب بها القوم، وقال: شاهت الوجوه، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ـ وهناك قصة طويلة ليست مقصودة في هذا الدرس ـ.
    على كلٍ عندما انتصر النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين، وغنم من أموالهم، أتى إليه وفد من قبيلة هوازن، قبيلة حليمة السعدية يرجون أن يعفو عنهم، ويرد لهم أموالهم، وكان في الوفد عمُّه من الرضاعة، فاستشفعوا به إليه، فتقدم هذا العم بين يدي رسول الله يعلن خضوع قومه وإسلامهم، وقال فيما قال: " يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من عماتك، وخالاتك، وحواضنك، هؤلاء عماتك وخالاتك وحواضنك، وقد حضناك في حجورنا، وأرضعناك بأثدائنا، لقد رأيتك مرضَعاً ـ أي رضيعاً اسم مفعول من أرضع ـ فما رأيت مرضَعاً أفضل منك، ورأيتك فطيماً، فما رأيت فطيماً أفضل منك، ورأيتك شاباً، فما رأيت شاباً خيراً منك، وقد تكاملت فيك خلالُ الخير، ونحن مع ذلك أصلُك وعشيرتك، فامنن علينا منَّ الله عليك ".
    والله هذا كلام بليغ، نحن أهلك وعشيرتك، وهؤلاء عماتك، وخالاتك، وحواضنك، أرضعناك بأثدائنا، وحضناك في حجورنا، فامنُنْ علينا مَنَّ الله عليك.


    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم:


    المشكلة أنّ هذا المال وزع بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم تأخروا كثيراً في مجيئهم، فماذا يفعل النبي وقد وزع المال ؟ قام في أصحابه خطيباً وقال: مالي ومال عبد المطلب لكم، وكان موقفه فيه حكمةٍ بالغة، ولم يشأ أن يأخذ الأموال من أصحابه قهراً، بل دعاهم إلى أن يسلكوا سلوكه، ويحذوا حذوه، فقال عليه الصلاة والسلام وخاطب هذا الوفد: " لقد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون ، وقد قسم المال، فما كان لي وما لعبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا: نستشفع برسول الله إلى المسلمين، ونستشفع بالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولعبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس "
    فلما صلى النبي الظهر قام وفد هوازن فقالوا كما علمهم النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليهم: ما كان له ولبني طالب، وجعل يرغب الناس، ويترضاهم حتى ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، وضرب النبي بذلك أروع الأمثال في حفظ الجميل، والوفاء بالعهد.
    فدرسنا اليوم وفاء النبي عليه الصلاة والسلام، ومن خلال وفائه لأمه حليمة السعدية، كيف وقف لها، وكيف هش لها وبش، وكيف أكرمها أول مرة، والثانية والثالثة، وكيف جاءه الوفد فذكّره برضاعته وبحضانته، وكيف نزل له عن كل ماله، وكيف فعل ما فعل، فهذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، ومن لم يقتفِ أثر النبي فليس من أمته:

    (( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ َضِي اللَّهُ عَنْهُ ُ]





    والحمد لله رب العالمين
     


  8. alhassieno

    alhassieno عضوية فخرية مدير تنفيدي

    9,873
    1,629
    1,731

    لك كل الشكر

    جزاك الله كل خير
     


  9. drtiger

    drtiger نائب المدير الإدارة

    17,593
    7,492
    1,731


  10. nadjm

    nadjm مسؤول سابق

    6,598
    265
    1,701

    بارك الله فيك اخي في انتظار جديدك
     


  11. bech

    bech عضوفعال

    499
    79
    531

    بارك الله فيك اخي
     


قيم هذا الموضوع:
/5,

مشاركة هذه الصفحة